ارتياح واسع… لكن الصورة أعقد
عمت أجواء من الارتياح الأوساط الرسمية والشعبية والفلاحية، عقب التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة التي أنعشت الآمال بعد سنوات من القحط. الحكومة سارعت إلى الحديث عن مؤشرات “تاريخية” توحي ببداية الخروج من نفق جفاف قاسٍ امتد لسنوات، غير أن قراءة مغايرة بدأت تفرض نفسها، داعية إلى التريث وعدم الانجراف وراء الأحكام المتسرعة، في مشهد مائي تحكمه تعقيدات أعمق من أرقام موسمية واعدة.
الأرقام الرسمية: بداية انفراج
وزير التجهيز والماء نزار بركة قدم صورة متفائلة للوضع، مؤكدا أن المغرب شرع في تجاوز آثار جفاف دام سبع سنوات. وأوضح أن الفترة الممتدة من فاتح شتنبر إلى 12 يناير عرفت تساقطات مطرية بلغت 108 ملم، مسجلة فائضا بـ65 في المائة مقارنة مع السنة الماضية، وبارتفاع بـ17.6 في المائة عن المعدل الطبيعي. كما وصف التساقطات الثلجية بـ”الاستثنائية”، إذ غطت أزيد من 55 ألف كيلومتر مربع بالمناطق الجبلية.السدود تنتعش… والمخزون يرتفع
هذا التحسن انعكس مباشرة على الواردات المائية، حيث قفزت نسبة ملء السدود إلى 46 في المائة، بما يعادل 7.7 مليار متر مكعب، أي بزيادة تناهز 19 نقطة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ورغم ذلك، شدد الوزير على أن الدولة ماضية في تنزيل مشاريع استراتيجية كبرى، من قبيل تحلية مياه البحر وربط الأحواض المائية، تحسبا لمخاطر المستقبل وضمانا للأمن المائي.بين الانفراج الظرفي والتغيير الهيكلي
ورغم ما شكلته الأمطار من متنفس حيوي للاقتصاد والموارد الطبيعية، فإنها تضع السياسات العمومية أمام اختبار حقيقي: هل نحن أمام تحول بنيوي في الوضع المائي، أم مجرد انفراج ظرفي قد يبدد إذا ما عاد منطق الاستنزاف إلى الواجهة؟تحذير علمي: الجفاف لم ينته
في هذا السياق، يحذر البرلماني السابق والباحث في قضايا البيئة والتغيرات المناخية أحمد صدقي من الانسياق وراء خطاب نهاية الجفاف. ويؤكد أن المؤشرات الإيجابية، رغم أهميتها، لا تعني القطع مع الأزمة المائية، لا علميا ولا مناخيا.أمطار بلا انتظام… ومكاسب غير كافية
صدقي أوضح أن التساقطات الأخيرة حسنت نسب ملء السدود، لكنها لم تنه العجز المائي البنيوي، كما لم تحقق الانتظام الزمني ولا التوزيع المجالي المطلوبين. وأضاف أن هذه الأمطار جاءت نتيجة ظروف جوية لحظية ومحددة، ولا تعكس تغييرا جوهريا في النظام المناخي للمنطقة.عالم يدخل زمن اللايقين المناخي
التحذير الأعمق، بحسب الخبير، يتمثل في دخول العالم مرحلة “اللايقين واللااستقرار المناخي”، كما ورد في تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لعام 2023. التقرير يؤكد أن وتيرة الاضطرابات المناخية ستشتد، وأن فترات الجفاف ستصبح أطول وأكثر تكرارا، بالتوازي مع تصاعد الظواهر القصوى من فيضانات وجفاف حاد.المغرب في قلب الخطر المتوسطي
عدة تقارير دولية تصنف المنطقة المتوسطية، التي ينتمي إليها المغرب، ضمن أكثر مناطق العالم هشاشة مائيا مستقبلا. ويستحضر صدقي في هذا السياق إعلان الأمين العام للأمم المتحدة، في شتنبر 2023، عن “بداية الانهيار المناخي”، محذرا من التأثيرات المحتملة لانهيار التيار المحيطي الأطلسي (AMOC) على شمال إفريقيا، وما قد يترتب عنه من اختلالات حرارية ومناخية عميقة.رسالة ختام: الحذر واجب
يخلص الخبير إلى أن موسما ممطرا واحدا لا يكفي لضمان الاستقرار الفلاحي، فبالأحرى الجزم بانتهاء الجفاف. ويحذر من أن الشعور الجماعي بالارتياح قد يعيد إنتاج سلوكات استنزاف المياه، سواء على مستوى الأفراد أو بعض السياسات العمومية، في تجاهل خطير للتشريعات والرهانات المستقبلية. فالرهان الحقيقي، اليوم، ليس في الاحتفاء بالأمطار فقط، بل في بناء وعي مائي طويل النفس، يوازن بين الأمل والحذر.
