الرباط – اختتمت اليوم الخميس بالرباط أشغال الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين المغرب وفرنسا، بتوقيع رزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم تغطي مجالات حيوية متعددة، في خطوة تعكس الإرادة المشتركة للارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة،
تنفيذا للالتزامات المتفق عليها على هامش الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرباط، وسط رهان على تجاوز الإطار التقليدي للتعاون الثنائي نحو شراكة شاملة تستجيب لتحديات المرحلة الراهنة التي تواجه المنطقة والعالم.
المغرب وفرنسا يوسعان التعاون في النقل والطيران المدني
وقّع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ونظيره الفرنسي جون نويل بارو، إعلان نوايا في مجال السياسة الخارجية النسوية.
وفي الشق الاقتصادي، وقّعت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، إلى جانب المسؤولين الفرنسيين رولان ليسكور وكاترين بودو، بروتوكول تعاون لتفعيل تمويل خط القطار عالي السرعة بين القنيطرة ومراكش، فضلا عن بيان متمم للشراكة في مجال الماء.
كما وقّع البلدان برنامج عمل ثلاثي لتفعيل التعاون التقني في مجال الطيران المدني، بين وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح ونظيره الفرنسي فيليب طاباكو، إضافة إلى اتفاقية شراكة بين المعهد العالي البحري الفرنسي والمعهد العالي للدراسات الاستراتيجية المغربي.
وتأتي هذه الاتفاقيات ضمن رؤية مشتركة تهدف إلى تعزيز الربط اللوجستي بين البلدين وتطوير البنى التحتية المشتركة في قطاعات النقل البري والبحري والجوي على حد سواء.
المغرب وفرنسا يعززان التعاون التعليمي والثقافي
في الشق الأكاديمي، أشرف وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة على توقيع إعلان نوايا يهم تعليم اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا بالمؤسسات التعليمية الفرنسية بالمملكة، رفقة الوزيرة الفرنسية إيلونور كاروا، في خطوة تعكس حرص البلدين على تعزيز الجسور الثقافية واللغوية بين الجيلين الجديدين من المغاربة والفرنسيين.
وشملت مذكرات التعاون أيضا اتفاقية بين بريد المغرب وبريد فرنسا، وإعلانَي نوايا فـ التبادل الثقافي والسينما والصناعة البصرية بإفريقيا، وقّعهما وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد ووزيرة الثقافة الفرنسية كاترين بيغار.
وأُضيفت اتفاقية شراكة بين معهد العالم العربي والوزارة، ومذكرة تعاون بين معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة ومركز التعاون الدولي في البحث الزراعي الفرنسي، إلى جانب مذكرات تخص اللجنة الثنائية للصناعات الدفاعية والأرشيف العسكري، مما يعكس اتساع رقعة التعاون لتشمل مجالات استراتيجية وحساسة فـ آن واحد.
المغرب وفرنسا يدخلان مرحلة التنفيذ الكامل للشراكة
خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب اختتام الأشغال، اعتبر رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن الاجتماع “يعد تعبيرا عن قناعة سياسية قوية مفادها أن الشراكة الاستثنائية الوطيدة المغرب وفرنسا، التي أرادها الملك محمد السادس والرئيس ماكرون،
قد دخلت مرحلة التنفيذ الكامل”، مبرزا أنها لم تعد ترتكز فقط على عمق الروابط التاريخية، بل تندرج اليوم فـ رؤية استراتيجية مشتركة قائمة على تقارب سياسي وثقة متجددة وطموح مشترك لتقديم أجوبة عن تحديات العصر.
وأبرز أخنوش أن العلاقات بين البلدين شهدت، منذ أكتوبر 2024، أكثر من 40 زيارة ولقاء رفيع المستوى، مؤكدا أن حضور 22 وزيرا مغربيا وفرنسيا يجسد الطابع الاستثنائي للاجتماع والالتزام المشترك للحكومتين.
وأوضح أن الاتفاقيات الموقعة اليوم تستكمل 22 اتفاقية استراتيجية سابقة بقيمة تقارب 10 مليارات يورو، وُقّعت فـ أكتوبر 2024 تحت إشراف الملك محمد السادس والرئيس ماكرون.
وأضاف أن الاتفاقيات الجديدة تغطي مجالات أساسية كالصحة والنقل والطيران المدني والتعاون اللامركزي والتعليم، مؤكدا أن الحوار السياسي بين البلدين لم يكن قط بمثل هذا الحجم والهيكلة، وأنه يقوم اليوم على ثقة متجددة وتقارب متزايد فـ وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
المغرب وفرنسا يرسخان التزاما أمنيا مشتركا ضد الإرهاب
من جانبه، أشاد رئيس الحكومة الفرنسي سيباستيان لوكورنو بالتعاون الأمني بين البلدين فـ مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية،
مبرزا أن الثقة المتبادلة مكّنت من تحقيق نجاحات ميدانية غير مسبوقة بفضل العمل المشترك لرجال الشرطة والقضاء فـ كلا البلدين، وكاشفا عن العمل على الارتقاء بهذا التعاون إلى مستويات أعلى عبر إبرام اتفاق أمني شامل فـ الأشهر المقبلة.
وأكد لوكورنو أن باريس تقف “بكل وفاء وإخلاص” إلى جانب الرباط، مجدِّدا التأكيد على أن دعم فرنسا لمغربية الصحراء فـ إطار مخطط الحكم الذاتي “موقف ثابت لا رجعة فيه، ولن يتغير”.
كما أعلن عن العمل على إعداد معاهدة ثنائية ستكون الأولى من نوعها التي توقعها فرنسا مع دولة خارج الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى أن التعاون بين البلدين يتغذى من العمل الدؤوب للحكومتين، وأيضا من عفوية التبادلات بين المواطنين والتقارب الإنساني والشخصي الذي يدفعهما دائما نحو بعضهما البعض.
المغرب وفرنسا يرسمان آفاقا اقتصادية موسعة للمستقبل
واعتبر لوكورنو أن البلدين “يرسمان معا معالم المستقبل” عبر مشاريع اقتصادية طموحة تخلق تكاملا جديدا بين الشركتين، وتتيح مواصلة دمج المغرب وفرنسا ضمن سلاسل القيمة ذاتها فـ قطاعات حيوية كالنقل والطاقة والتكنولوجيات المتقدمة،
مستشهدا بالاستثمارات الاستراتيجية للمجموعات الكبرى فـ المغرب خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب مبادرات المقاولات الصغرى والمتوسطة النشطة التي تعمل معا على ضفتي المتوسط.
وأشار المسؤول الفرنسي إلى إطلاق طلب لإبداء الاهتمام فـ مجال الربط الكهربائي بين البلدين، ضمن مشاريع الربط الطاقي الكبرى المرتقبة فـ الفترة المقبلة، معتبرا أن هذه الدينامية الاقتصادية تشكل امتدادا طبيعيا للزخم السياسي الذي يعرفه التعاون المغربي الفرنسي فـ السنوات الأخيرة.
