أسعار اللحوم الحمراء… أصبحت خلال الأسابيع الأخيرة من أكثر المواضيع التي تشغل بال الأسر المغربية، بعدما سجلت مستويات غير مسبوقة سواء بالنسبة للحوم الأبقار أو الأغنام، في ظل تراجع القدرة الشرائية واستمرار الضغوط الاقتصادية التي تواجه المستهلكين.
وبينما كان الكثيرون يراهنون على تراجع الأثمان بعد فتح باب الاستيراد، يبدو أن الواقع يسير في اتجاه مغاير تماما، مع تسجيل زيادات جديدة أثارت قلق المهنيين والمستهلكين على حد سواء.
أسعار اللحوم الحمراء تسجل أرقاما غير مسبوقة
أكد مهنيون في القطاع أن أسعار اللحوم الحمراء بلغت مستويات قياسية لم تشهدها السوق الوطنية من قبل، حيث يتراوح سعر لحم الأبقار بالجملة بين 105 و110 دراهم للكيلوغرام الواحد، بينما تتراوح أسعار لحم الأغنام بين 140 و150 درهما قبل وصولها إلى محلات التقسيط.
ومع إضافة تكاليف التوزيع وهوامش الربح، ترتفع الأثمان بشكل أكبر لتصل بعض القطع إلى ما بين 180 و200 درهم للكيلوغرام، وهو ما يضع المستهلك المغربي أمام واقع جديد يثقل ميزانيته اليومية.
أسعار اللحوم الحمراء تحت ضغط العرض المحدود
يرى مهنيون أن العامل الأساسي وراء ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء يتمثل في محدودية العرض داخل السوق الوطنية.
فالتراجع المستمر في أعداد القطيع الوطني خلال السنوات الأخيرة، نتيجة توالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف التربية، أدى إلى انخفاض الكميات المتاحة مقارنة بحجم الطلب.
ويؤكد الفاعلون أن أي اختلال بين العرض والطلب يؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع الأسعار، خاصة عندما يتعلق الأمر بمادة أساسية تعرف إقبالا كبيرا من طرف المستهلكين.
الاستيراد لم يحقق التوازن
رغم لجوء المغرب إلى استيراد الأبقار واللحوم من الخارج، فإن هذه الخطوة لم تنجح في إحداث التوازن المطلوب داخل السوق الوطنية.
ويشير المهنيون إلى أن الاعتماد المتزايد على السوق البرازيلية جعل أسعار اللحوم الحمراء مرتبطة بشكل مباشر بالتقلبات التي تعرفها هذه السوق، خاصة بعد تسجيل ارتفاعات مهمة في أسعار الأبقار وتكاليف الإنتاج بالبرازيل خلال الأشهر الأخيرة.
كما أن تعليق الاستيراد من بعض الأسواق الأوروبية قلص الخيارات المتاحة أمام المستوردين المغاربة، ما زاد من الضغط على مصادر التوريد الحالية.
تكاليف النقل تشتعل
من بين الأسباب الرئيسية التي ساهمت في ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء الزيادة الكبيرة في تكاليف النقل والشحن البحري.
فالتوترات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، انعكست بشكل مباشر على أسعار المحروقات، وهو ما أدى إلى ارتفاع كلفة نقل البضائع والماشية عبر مختلف المسارات التجارية.
ويؤكد المهنيون أن بعض تكاليف الشحن ارتفعت بنسبة تصل إلى 50 في المائة، بل تضاعفت في بعض الحالات، ما ينعكس تلقائيا على الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.
الطلب يتراجع والمهنيون يتضررون
ورغم ارتفاع الأسعار، فإن المتضرر لا يقتصر على المستهلك فقط، بل يشمل كذلك المهنيين والتجار الذين يواجهون تراجعا ملحوظا في حجم المبيعات.
فكلما ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء انخفض الطلب عليها، وهو ما يؤدي إلى تباطؤ حركة البيع داخل الأسواق والمحلات التجارية، ويؤثر بشكل مباشر على مداخيل العاملين في القطاع.
ويحذر المهنيون من استمرار هذا الوضع لفترة طويلة، لأنه قد ينعكس سلبا على مختلف حلقات سلسلة الإنتاج والتوزيع.
المستهلك في الواجهة
وتبقى الأسر المغربية الحلقة الأكثر تضررا من استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، خصوصا في ظل تزامن هذه الزيادات مع ارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية والخدمات الأساسية.
فالكثير من الأسر أصبحت مضطرة إلى تقليص استهلاك اللحوم أو البحث عن بدائل أقل تكلفة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على العادات الاستهلاكية اليومية وعلى ميزانية الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.
صيف ساخن ينتظر السوق
ويتوقع عدد من المهنيين أن تعرف أسعار اللحوم الحمراء مزيدا من الضغوط خلال فصل الصيف، الذي يشهد عادة ارتفاعا في الطلب بسبب الموسم السياحي وكثرة المناسبات العائلية وحفلات الأعراس.
ومع استمرار محدودية العرض وارتفاع تكاليف التوريد، تبدو مؤشرات السوق متجهة نحو الحفاظ على مستويات الأسعار الحالية أو تسجيل زيادات إضافية خلال الأسابيع المقبلة.
رهان الإنتاج الوطني
ويرى خبراء القطاع أن الحل الأكثر استدامة لمواجهة أزمة أسعار اللحوم الحمراء يكمن في تعزيز الإنتاج الوطني وإعادة بناء القطيع المحلي على أسس قوية.
فزيادة الاستثمار في تربية الماشية وتحسين ظروف الإنتاج وتوفير الدعم اللازم للكسابة من شأنها أن تقلص الاعتماد على الأسواق الخارجية، وتمنح المغرب قدرة أكبر على التحكم في الأسعار وضمان استقرار التموين على المدى الطويل.
حلول مطلوبة
أمام هذه التطورات، تتزايد الدعوات إلى اتخاذ إجراءات عملية لإعادة التوازن إلى السوق الوطنية، من خلال تنويع مصادر الاستيراد، ودعم الإنتاج المحلي، وتحسين ظروف تربية الماشية، فضلا عن البحث عن آليات للحد من تأثير تقلبات الأسواق الدولية على أسعار اللحوم الحمراء.
ويجمع الفاعلون على أن معالجة الأزمة الحالية تتطلب رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار مصالح المستهلك والمنتج والمهني، بما يضمن استقرار الأسعار وتأمين تموين السوق الوطنية في الظروف العادية والاستثنائية على حد سواء.
