الذكاء الاصطناعي.. معركة جديدة على الطاقة والبيانات
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد سباق بين الشركات العالمية لتطوير نماذج أكثر قوة وسرعة، بل أصبح أيضاً سباقاً على الطاقة ومراكز البيانات والقدرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات.
فكلما توسعت خدمات الذكاء الاصطناعي، ارتفع الطلب على مراكز البيانات القادرة على تشغيل المعالجات المتقدمة وتخزين البيانات وتوفير قدرات الحوسبة اللازمة لتدريب النماذج وتشغيلها.
وهنا تبرز معادلة جديدة: الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الحوسبة، والحوسبة تحتاج إلى الطاقة، والطاقة النظيفة أصبحت عنصراً أساسياً في بناء البنية التحتية الرقمية المستدامة.
بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر فقط باستهلاك التكنولوجيا التي تنتجها شركات عالمية، وإنما بمحاولة بناء جزء من منظومتها محلياً، وربط التحول الرقمي بموارد المملكة في الطاقة المتجددة والموقع الجغرافي والموارد البشرية.
وفي هذا السياق، دخلت المملكة مرحلة جديدة مع خارطة الطريق «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030»، التي تهدف إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة للاستخدام إلى قدرة وطنية على الإنتاج والتطوير والتحكم.
الذكاء الاصطناعي.. المغرب يرفع سقف الطموح إلى 2030
في شتنبر 2026، أعلنت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة عن تقدم جديد في تنفيذ خارطة «AI Made in Morocco 2030».
ولا تقتصر هذه الرؤية على تكوين المهندسين والمبرمجين، بل تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية: السيادة والثقة، والابتكار والتنافسية، ثم الأثر والتبني والإشعاع.
وتدخل ضمن هذه الرؤية شبكة معاهد «الجزري»، التي تضم JAZARI ROOT وJAZARI Smart City وJAZARI EduTech وJAZARI Industrie X.0، بهدف ربط البحث والتكوين والابتكار بالتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي.
وفي يناير 2026، أعلنت وزارة الانتقال الرقمي إطلاق معاهد الجزري وJazari Root خلال فعالية «AI Made in Morocco»، في خطوة تستهدف تعزيز السيادة التكنولوجية وبناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي.. الدارجة المغربية تدخل السباق
ومن أبرز التحولات التي تؤكد أن المغرب لا يريد الاكتفاء باستيراد حلول الذكاء الاصطناعي، العمل على تطوير أدوات تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية للمملكة.
وفي شتنبر 2026، أعلنت وزارة الانتقال الرقمي وشركة Mistral AI عن توفير أولى المكونات المفتوحة المصدر ضمن شراكتهما الاستراتيجية.
وتشمل هذه المكونات نموذجاً للتعرف على اللهجات العربية، من بينها الدارجة المغربية، إلى جانب نموذج للتعرف الآلي على الكلام قادر على التعامل مع الدارجة المغربية، بما في ذلك حالات التناوب بين العربية والفرنسية والإنجليزية.
هذه الخطوة تحمل دلالة مهمة، لأن الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بأجهزة الحاسوب ومراكز البيانات، وإنما أيضاً بالبيانات واللغة والمعرفة المحلية.
وكلما تمكن المغرب من تطوير نماذج تفهم لغاته وسياقه الثقافي والإداري والاقتصادي، ارتفعت قدرته على بناء خدمات رقمية موجهة للمواطن والمقاولة والإدارة المغربية.
الذكاء الاصطناعي الأخضر.. دَخلة جديدة من بوابة الداخلة
إذا كانت البيانات تمثل عقل الاقتصاد الرقمي، فإن الطاقة تمثل الوقود الذي يسمح لهذا العقل بالعمل.
ومن هنا يكتسب مشروع «Igoudar Dakhla» أهمية خاصة.
ففي نونبر 2025، تم توقيع اتفاق يتعلق بإطلاق مشروع مراكز بيانات خضراء في الداخلة، مصمم ليعتمد على الطاقات المتجددة ويوفر قدرات متقدمة لتخزين ومعالجة البيانات.
وفي أبريل 2026، انتقل المشروع إلى مرحلة أكثر تقدماً، بعدما تم توقيع اتفاقية بين عدد من المؤسسات العمومية لإطلاق الدراسات الاستراتيجية الخاصة بالبرنامج.
وتستهدف المنصة قدرة تصل إلى 500 ميغاواط، مع دراسة نموذج الحكامة والتمويل ومراحل الإنجاز، وفتح المجال أمام الاستثمار العمومي والخاص.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: 500 ميغاواط هي القدرة المستهدفة للمشروع، وليست قدرة مركز بيانات يعمل حالياً بهذه الطاقة.
وهذا التفصيل ضروري صحفياً حتى لا تتحول الأرقام الكبيرة إلى انطباع مضلل حول الوضع الحالي للمشروع.
الذكاء الاصطناعي.. لماذا أصبحت الداخلة مرشحة لدور رقمي؟
اختيار الداخلة لمشروع بهذا الحجم ليس منفصلاً عن التحولات التي يعرفها الاقتصاد المغربي.
فالمدينة توجد ضمن منطقة تتمتع بإمكانات مهمة في مجال الطاقة المتجددة، كما أن الرؤية الرسمية للمشروع تربطه بالساحل الأطلسي وبطموح تعزيز موقع الأقاليم الجنوبية كمنصة اقتصادية ولوجستية ورقمية نحو إفريقيا.
وتقول وزارة الانتقال الرقمي إن مشروع «Igoudar Dakhla» يقوم على شق سيادي موجه لتلبية الاحتياجات الوطنية، وشق استثماري مفتوح أمام المستثمرين الوطنيين والدوليين.
وهذا يعني أن الفكرة لا تتوقف عند بناء مبانٍ تحتوي على خوادم، وإنما تتعلق ببناء منظومة متكاملة يمكن أن تجمع بين الطاقة والحوسبة والسحابة والذكاء الاصطناعي.
وفي حال نجاح هذا النموذج، يمكن أن تصبح الطاقة المتجددة المغربية جزءاً من سلسلة القيمة الرقمية، وليس فقط مصدراً للكهرباء.
الذكاء الاصطناعي.. ماذا عن مشروع Iozera في تطوان؟
من بين المشاريع التي أثارت اهتماماً كبيراً خلال السنوات الماضية، مشروع شركة Iozera لإنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في تطوان بقدرة معلنة تصل إلى 386 ميغاواط واستثمار قُدر بحوالي 500 مليون دولار وفق ما أعلنته الشركة سنة 2024.
لكن هذا المشروع يحتاج إلى قدر كبير من الحذر في التناول الإعلامي.
فقد ظهرت في 2024 تقارير صحفية مغربية شككت في مسار الاتفاق المعلن، فيما لا تزال قواعد بيانات متخصصة تصنف المشروع باعتباره مخططاً وليس مركز بيانات عاملاً بالفعل.
لذلك لا ينبغي تقديم مشروع Iozera على أنه منشأة ضخمة تعمل حالياً في المغرب.
الأدق هو الحديث عنه باعتباره مشروعاً معلناً ومخططاً له، مع الإشارة إلى أن تفاصيل تنفيذه الفعلي ووضعه الحالي تحتاج إلى تحديثات رسمية واضحة.
وهذا الفرق بين «المشروع المعلن» و«المشروع المشغل» مهم جداً عندما يتعلق الأمر بأرقام ضخمة في قطاع سريع التطور.
الذكاء الاصطناعي.. الطاقة المغربية تتحول إلى ميزة تنافسية
الميزة التي يحاول المغرب بناءها لا تعتمد على عنصر واحد.
هناك الشمس، والرياح، والموقع الجغرافي، وشبكات الاتصالات، والموانئ، والاستثمارات الأجنبية، والجامعات، ومراكز التكوين، إضافة إلى استراتيجية وطنية واضحة في الذكاء الاصطناعي.
والتحدي الحقيقي سيكون في جمع هذه العناصر داخل منظومة اقتصادية واحدة.
فامتلاك الطاقة المتجددة لا يعني تلقائياً امتلاك صناعة ذكاء اصطناعي قوية، كما أن امتلاك مركز بيانات لا يعني بالضرورة امتلاك نماذج ذكاء اصطناعي سيادية.
المطلوب هو بناء سلسلة كاملة تبدأ بالطاقة والبنية التحتية، مروراً بمراكز البيانات والحوسبة السحابية، وصولاً إلى البيانات والنماذج والمهارات والخدمات.
وهذه هي النقطة التي تبدو حاضرة بقوة في الرؤية المغربية الجديدة.
الذكاء الاصطناعي.. السيادة الرقمية تتجاوز التكنولوجيا
الرهان المغربي لا يتعلق فقط بتحقيق أرباح من مراكز البيانات.
ففي عالم أصبحت فيه البيانات عنصراً استراتيجياً، تزداد أهمية معرفة أين تخزن البيانات، ومن يتحكم في البنية التحتية، ومن يملك القدرة على تشغيل الخدمات الرقمية في حالات الأزمات.
ولهذا تركز خارطة «AI Made in Morocco» على مفهوم السيادة والثقة، إلى جانب الابتكار والتنافسية. كما تعمل المملكة على بناء حلول تراعي البيانات والخصوصيات المحلية.
وفي يوليوز 2026، وقعت وزارة الانتقال الرقمي مذكرة تفاهم مع شركة Vertiv حول تطوير البنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما يعكس اتساع الاهتمام الرسمي بالبنية التحتية الرقمية الحرجة.
الذكاء الاصطناعي.. مشروع Xlinks درس في حجم التحدي
ومن المشاريع التي ارتبط اسمها بالطاقة المغربية مشروع Xlinks لنقل الكهرباء المتجددة من المغرب إلى بريطانيا عبر كابلات بحرية.
لكن وضع المشروع يقدم درساً مهماً: المشاريع العملاقة في الطاقة والبنية التحتية تحتاج إلى سنوات من الدراسات والتمويل والتقييم قبل أن تتحول إلى واقع.
ففي يونيو 2025 أعلنت الحكومة البريطانية أنها قررت عدم مواصلة النظر في دعم المشروع في ذلك الوقت، معتبرة أن المشروع لا ينسجم بشكل واضح مع توجهها نحو بناء قدرة كهربائية محلية، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بحجمه وطبيعته.
وبالتالي، لا ينبغي تقديم Xlinks في أي مقال عن المغرب باعتباره مشروعاً مضمون التنفيذ، وإنما كاقتراح ضخم يعكس الإمكانات التي يمكن أن يراهن عليها المغرب في مجال الطاقة النظيفة.
الذكاء الاصطناعي.. من تصدير الطاقة إلى تصدير الحوسبة
إذا نجح المغرب في الجمع بين الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية والمهارات، فقد تظهر أمامه فرصة اقتصادية مختلفة.
فبدلاً من تصدير الكهرباء فقط، يمكن مستقبلاً استغلال جزء من الطاقة المتجددة لتشغيل مراكز بيانات متطورة، واستضافة خدمات الحوسبة السحابية، وتوفير قدرات معالجة للذكاء الاصطناعي.
وهذا التحول يعني الانتقال من اقتصاد يعتمد فقط على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يضيف قيمة أكبر من خلال التكنولوجيا والبيانات والمهارات.
والأمر لا يتعلق بالمغرب وحده.
فالقارة الإفريقية تحتاج إلى بنية رقمية أكبر، بينما تتوسع الخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بسرعة. وإذا استطاع المغرب توفير بنية تحتية موثوقة وطاقة تنافسية واتصال دولي جيد، فقد يجد لنفسه موقعاً مهماً داخل هذه السوق.
الذكاء الاصطناعي.. الرهان الحقيقي هو الإنسان
ورغم أهمية مراكز البيانات والطاقة، يبقى العنصر البشري هو العامل الحاسم.
فالمغرب حدد هدفاً بتكوين واعتماد 200 ألف موهبة في الذكاء الاصطناعي إلى غاية 2030، وهو ما يعكس إدراكاً بأن البنية التحتية وحدها لا تكفي.
المهندس، والباحث، والمطور، وخبير الأمن السيبراني، ومختص البيانات، ورواد الأعمال، جميعهم يمثلون جزءاً من البنية التحتية الحقيقية للاقتصاد الرقمي.
ولهذا فإن نجاح «AI Made in Morocco» لن يقاس فقط بعدد مراكز البيانات التي سيتم بناؤها، وإنما أيضاً بعدد الشركات التي ستظهر، والوظائف التي ستخلق، والحلول التي ستطور، والقيمة الاقتصادية التي ستبقى داخل المملكة.
الذكاء الاصطناعي.. هل يستطيع المغرب أن يصبح قوة رقمية؟
المؤشرات الحالية تقول إن المغرب اختار الاتجاه.
خارطة وطنية للذكاء الاصطناعي، أهداف اقتصادية واضحة، شبكة معاهد الجزري، تطوير حلول للدارجة المغربية، شراكات مع شركات دولية، ومشاريع لمراكز بيانات خضراء، كلها عناصر تشير إلى محاولة بناء منظومة متكاملة.
لكن الطريق ما زال طويلاً.
فالفرق كبير بين إعلان مشروع وإنجازه، وبين بناء مركز بيانات وامتلاك صناعة ذكاء اصطناعي، وبين إنتاج الطاقة النظيفة وتحويلها إلى قيمة رقمية.
وإذا نجح المغرب في تجاوز هذه الفجوة، فقد تكون لديه فرصة حقيقية لتحويل الشمس والرياح والموقع الجغرافي والطاقات البشرية إلى ميزة رقمية جديدة.
وهنا تحديداً تكمن فكرة «الذكاء الاصطناعي الأخضر»: ليس مجرد ذكاء اصطناعي أقل استهلاكاً للطاقة، وإنما محاولة لبناء اقتصاد رقمي تكون فيه الطاقة النظيفة والبيانات والابتكار والموارد البشرية أجزاء من منظومة واحدة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع المغرب، خلال السنوات الأربع المقبلة، تحويل هذه المشاريع والاستراتيجيات من طموح معلن إلى صناعة رقمية قادرة على المنافسة؟
