كاسبريس: هشام التاودي
في بلاغ يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه مشحون بدلالات إنسانية وسياسية في عمقه، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني عن ترقية 8913 موظفة وموظف شرطة برسم سنة 2025. رقم كبير، نعم، لكن الأهم هو ما الذي يعنيه هذا الرقم داخل مؤسسة سيادية تعيش تحت ضغط الشارع، وتدقيق السياسة، ورهانات الاستقرار؟
65%… أكثر من ترقية، أقل من صدفة
أن يستفيد 65 بالمائة من مجموع المرشحين من الترقية، فذلك ليس تفصيلاً إداريًا. إنها نسبة تقول إن المؤسسة اختارت هذه السنة توسيع دائرة الرضا الوظيفي بدل حصر الامتياز في القمة.
هنا، لا تبدو الترقية مجرد مكافأة فردية، بل أداة لتدبير التوازن الداخلي داخل جهاز يُطلب منه الكثير، ويُحاسَب على كل شيء.
الزي الرسمي في الواجهة… والزي المدني حاضر بقوة
من بين المستفيدين، تمّت ترقية 6033 عنصرًا من شرطة الزي الرسمي و2880 من الزي المدني. توزيع يعكس رسالة مزدوجة:
- الواجهة الميدانية حاضرة ومُقدَّرة.
- والعمل الاستخباراتي والإداري ليس في الظل كما يُظن.
إنه اعتراف ضمني بأن الأمن لا يُصنع فقط في الشارع، بل أيضًا خلف المكاتب، وفي التفاصيل الصامتة.
الدرجات الصغرى والمتوسطة: إنصاف أم احتواء؟
اللافت – وربما الأهم سياسيًا – هو التركيز الواضح على الدرجات الصغرى والمتوسطة.
حين تصل نسب الترقية إلى:
- 94% في درجة مقدم شرطة
- 98% في درجة مقدم شرطة رئيس
- 97% في درجة مفتش شرطة ممتاز
فنحن أمام خيار مؤسساتي واضح: رفع السقف من الأسفل، لا تثبيته من الأعلى.
هل هو إنصاف مهني؟ نعم.
هل هو أيضًا احتواء اجتماعي داخل الجهاز؟ على الأرجح.
الاستحقاق تحت المجهر: معايير أم خطاب؟
المديرية تؤكد ربط الترقية بـالكفاءة، والمردودية، والسلوك المهني، والأقدمية، عبر “ميثاق مندمج” للتقييم.
هذا الخطاب يعكس وعيًا بأن الشرعية داخل المؤسسات الأمنية لم تعد تُمنح تلقائيًا، بل يجب تبريرها بلغة الشفافية والمعايير.لكن السؤال الذي يبقى معلقًا:
هل يشعر رجل وامرأة الأمن في الميدان بأن هذه المعايير تُطبَّق بعدل؟
الإجابة هنا لا تُقاس بالبلاغات، بل بالإحساس اليومي داخل المراكز والدوريات.
الترقية كحافز… وكدرع معنوي
في سياق اجتماعي واقتصادي ضاغط، تصبح الترقية درعًا معنويًا قبل أن تكون مكسبًا مادّيًا.
المديرية تراهن عليها كوسيلة لتحفيز التضحية، ونكران الذات، والاستمرار في أداء “المهام النبيلة” كما جاء في البلاغ: حماية المواطنين وممتلكاتهم وتجويد الخدمة الأمنية.لكن الرسالة الأوسع تتجاوز ذلك:
الدولة تقول، عبر جهازها الأمني، إنها ما زالت تستثمر في الإنسان داخل الزي، لا فقط في العتاد أو الخطاب.
الخلاصة: أرقام تتكلم… وسياسة تراقب
بلاغ الترقية ليس خبرًا إداريًا عابرًا.
إنه مؤشر على كيفية إدارة الدولة لعلاقتها بأحد أعمدتها الأساسية.
وحين تُمنح الترقية بهذا الحجم، وبهذه النسب، فهي تقول شيئًا واحدًا بوضوح:الاستقرار لا يُفرض فقط بالقانون… بل يُصان أيضًا بالإنصاف.
