طنطان في قلب مشهد اقتصادي جديد
طنطان … تجد نفسها اليوم أمام مجموعة من المشاريع والمبادرات الكبرى؛ التي تضعها في دائرة اهتمام اقتصادي وصناعي ودولي متزايد.
فخلال فترة قصيرة، برز اسم المدينة في ثلاثة ملفات مختلفة ظاهرياً: مشروع الربط الكهربائي البحري Sila Atlantik بين المغرب وألمانيا، ومشروع إنتاج البولي سيليكون الأخضر، ثم مشروع المركز الإفريقي للتدريب والتجريب متعدد المجالات AMTEC بشراكة بين المغرب والولايات المتحدة.
لكن التعامل مع هذه المشاريع باعتبارها كلها دخلت مرحلة التنفيذ سيكون غير دقيق.
فبعضها لا يزال في مرحلة الدراسات والتخطيط والتمويل، بينما حصل مشروع المركز متعدد المجالات على مذكرة تفاهم رسمية، في حين وقع المغرب اتفاقاً استثمارياً لإنشاء وحدة البولي سيليكون في منطقة الوطية بطنطان.
والأهم أن المعطيات المتوفرة لا تثبت أن المشاريع الثلاثة اختيرت بسبب “معادلة واحدة” أو بقرار منسق يجمعها.
لكن وجود عناصر مشتركة، مثل الطاقة المتجددة والمساحات الواسعة والموقع الأطلسي، يجعل طنطان حالة تستحق التحليل.
طنطان.. من مدينة جنوبية إلى منصة استثمارية محتملة
لطالما ارتبط اسم طنطان بموقعها في الجنوب المغربي وبالأنشطة المرتبطة بالصيد والفلاحة والمجالات الصحراوية، غير أن التحولات التي تعرفها المنطقة تفتح الباب أمام تصور اقتصادي أوسع.
الفكرة الأساسية التي يمكن استخلاصها من المشاريع الجديدة هي أن القيمة الاقتصادية للمناطق لم تعد مرتبطة فقط بوجود النفط أو المعادن التقليدية، وإنما أصبحت ترتبط أيضاً بعناصر أخرى، من بينها الطاقة المتجددة، توفر العقار الصناعي، القرب من شبكات النقل، والقدرة على استضافة مشاريع تحتاج إلى مساحات واسعة.
وفي حالة طنطان، تظهر هذه العناصر بدرجات مختلفة، خصوصاً مع مشروع البولي سيليكون الذي اختير له موقع في المنطقة الصناعية بالوطية، ومع مشروع AMTEC الذي يتجه إلى إنشاء منشأة متعددة المجالات في المدينة بحلول 2030. (Ministère de l’Investissement)
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قطب اقتصادي حقيقي سيظل مرتبطاً بقدرة المشاريع على الانتقال من الإعلانات والدراسات إلى الاستثمارات والمنشآت والإنتاج الفعلي.
طنطان.. مشروع Sila Atlantik يفتح باب الطاقة نحو ألمانيا
أحد أكثر المشاريع طموحاً في هذا المشهد هو Sila Atlantik، وهو مشروع تقوده Xlinks عبر فرعها الألماني، ويستهدف نقل الكهرباء المتجددة المنتجة في المغرب إلى ألمانيا بواسطة ربط بحري ضخم.
وتتحدث المعطيات المتداولة حول مشروع الربط عن كابل بحري يبلغ نحو 4,800 كيلومتر، مع قدرة أولية مرتبطة بكابلين تبلغ 3.6 جيغاواط، وإمكانية رفع القدرة مستقبلاً إلى 15 جيغاواط، مع هدف يصل إلى نحو 26 تيراواط ساعة من الكهرباء سنوياً، أي ما يقارب 5 في المائة من الاستهلاك الكهربائي الألماني وفق المعطيات المنشورة حول المشروع. وتقدر الاستثمارات المحتملة بعشرات مليارات اليورو. (Le Desk)
وهنا يجب تصحيح نقطة مهمة: مشروع Sila Atlantik لا ينبغي تقديمه حالياً على أنه كابل مؤكد سينطلق من طنطان. فالمشروع الألماني الحالي يتعلق بتصدير الكهرباء المتجددة من المغرب إلى ألمانيا، بينما كان مشروع Xlinks السابق يستهدف الربط بين طنطان وجنوب بريطانيا. وقد تحول الاهتمام لاحقاً نحو ألمانيا تحت اسم Sila Atlantik. (H24info)
طنطان.. لماذا تحولت ألمانيا إلى وجهة مشروع الطاقة؟
التحول من بريطانيا إلى ألمانيا جاء بعد قرار الحكومة البريطانية في 2025 عدم مواصلة دعم مشروع الربط الكهربائي السابق، وهو ما دفع Xlinks إلى إعادة توجيه المشروع نحو السوق الألمانية.
وفي أغسطس 2026، برز تطور جديد بعدما عبرت الرباط عن دعمها لمشروع Sila Atlantik في رسالة وجهتها وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة إلى الجانب الألماني، مع الإشارة إلى أن المشروع يحتاج إلى تنسيق مع الحكومة الفيدرالية الألمانية، فيما لا تزال بعض الملفات، ومنها التراخيص ومسار المشروع وشروطه، بحاجة إلى الحسم. (Le Desk)
وهذا يعني أن المشروع قطع خطوات سياسية ومؤسساتية مهمة، لكنه لا يزال بعيداً عن مرحلة التشغيل.
ومن الناحية الاقتصادية، تكمن أهمية المشروع في إمكانية تحويل موارد الرياح والطاقة الشمسية المغربية إلى كهرباء قابلة للتصدير مباشرة إلى سوق أوروبية كبيرة، وهو ما يمكن أن يمنح المغرب دوراً إضافياً في سلاسل إمداد الطاقة الأوروبية إذا تحقق المشروع فعلياً.
طنطان.. البولي سيليكون يدخل على خط الصناعة الاستراتيجية
المشروع الثاني أكثر ارتباطاً بطنطان نفسها، ويتعلق بإنشاء أول وحدة مغربية لإنتاج البولي سيليكون الأخضر في المنطقة الصناعية بالوطية.
وفي نوفمبر 2025، وقعت وزارة الاستثمار المغربية اتفاقاً مع GPM Holding لإقامة المشروع باستثمار إجمالي يبلغ 8 مليارات درهم، مع توقع خلق نحو 1,500 منصب شغل مباشر وأكثر من 2,000 منصب غير مباشر، وبطاقة إنتاجية سنوية معلنة تبلغ 30 ألف طن، مع توجيه 85 في المائة من الإنتاج إلى الأسواق الدولية. (Ministère de l’Investissement)
وهنا أيضاً توجد نقطة تستحق التصحيح مقارنة بالمعطيات الواردة في المادة الأصلية: الرقم الرسمي المنشور من وزارة الاستثمار هو 30 ألف طن سنوياً، وليس 3,000 طن.
أما الدعم الأمريكي الأولي للمشروع، فقد ارتبط بتمويل بقيمة 4.75 ملايين دولار موجه إلى الدراسات والتطوير الأولي، وليس إلى تمويل كامل بناء المصنع. وتقدر الكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 870 مليون دولار وفق المعطيات التي نقلتها مصادر اقتصادية عن المشروع. (HESPRESS English – Morocco News)
طنطان.. لماذا أصبح البولي سيليكون مادة استراتيجية؟
تكمن أهمية البولي سيليكون في موقعه داخل عدد من سلاسل الصناعة التكنولوجية، خصوصاً صناعة الخلايا الشمسية، كما يدخل البولي سيليكون عالي النقاء في صناعة أشباه الموصلات.
وتكتسب هذه المادة أهمية إضافية بسبب التركيز الكبير للإنتاج العالمي في الصين، التي تستحوذ على أكثر من 90 في المائة من الإنتاج العالمي وفق المعطيات المنشورة حول المشروع المغربي. (HESPRESS English – Morocco News)
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الأمريكي بالمشروع في سياق أوسع، يرتبط بمحاولة تنويع سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على مصدر واحد للمواد الصناعية الاستراتيجية.
وبالنسبة للمغرب، فإن المشروع لا يتعلق فقط بإنشاء مصنع، بل يمكن أن يشكل خطوة نحو إدماج البلاد في سلسلة قيمة جديدة مرتبطة بالطاقة الشمسية والصناعات المرتبطة بها.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في سرعة التنفيذ، والقدرة على توفير التمويل اللازم، وضمان تنافسية الإنتاج، وتحويل المشروع إلى وحدة صناعية تعمل بكامل طاقتها.
طنطان.. AMTEC يضيف بعداً جديداً للمشهد
في 13 يوليوز 2026، وقع المغرب والقيادة الأمريكية في إفريقيا AFRICOM مذكرة تفاهم تسعى إلى إنشاء المركز الإفريقي للتدريب والتجريب متعدد المجالات AMTEC في طنطان بحلول 2030.
ووفق AFRICOM، سيتكون المركز من ثلاث مكونات رئيسية: منطقة للتدريب متعدد المجالات، وأكاديمية للطائرات المسيرة، ومركز للابتكار والتجريب. (Africom)
ويختلف هذا المشروع عن مشروعي الطاقة والبولي سيليكون من حيث طبيعته، لكنه يحمل جانباً اقتصادياً وتكنولوجياً إلى جانب طابعه المؤسساتي والدفاعي.
فالجهة الأمريكية تحدثت عن فرص أمام الصناعات المغربية والأمريكية للتعاون في مجال الابتكار والتجريب، كما أشارت إلى إمكانات مرتبطة بتطوير حلول جديدة واختبارها.
وبالتالي، يمكن أن يفتح المشروع الباب أمام نشاط اقتصادي وتقني محيط به، شرط أن تتطور الشراكات المرتبطة به وأن يتم الانتقال من مذكرة التفاهم إلى مراحل التنفيذ الفعلي. (Africom)
طنطان.. ماذا يجمع المشاريع الثلاثة؟
رغم اختلاف طبيعة المشاريع، فإن هناك عناصر مشتركة يمكن ملاحظتها.
أولها الطاقة المتجددة. فمشروع Sila Atlantik يقوم على إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، بينما مشروع البولي سيليكون مرتبط مباشرة بسلسلة صناعة الطاقة الشمسية.
ثانيها المساحات الواسعة، وهي عنصر مهم بالنسبة للمشاريع الصناعية ومشاريع الطاقة ومرافق التدريب والتجريب.
ثالثها الموقع الأطلسي، الذي يمنح المنطقة إمكانات مرتبطة بالتجارة والطاقة والربط الدولي.
ورابعها البنية التحتية الإقليمية التي يجري تطويرها في جنوب المملكة، بما فيها الطرق والموانئ والمشاريع المرتبطة بالتنمية الاقتصادية للجهات الجنوبية.
لكن هذه العناصر لا تعني بالضرورة أن المشاريع الثلاثة تشكل خطة واحدة متكاملة. الأدق هو القول إنها تتقاطع في بعض الشروط الجغرافية والاقتصادية، بينما لكل مشروع أهدافه وممولوه ومراحل تطوره الخاصة.
طنطان.. البنية التحتية ستكون مفتاح المرحلة المقبلة
أي تحول اقتصادي كبير يحتاج إلى أكثر من إعلان عن مشاريع ضخمة.
فالمستثمر الصناعي يحتاج إلى كهرباء مستقرة وتنافسية، ومياه، وطرق، وموانئ، واتصالات، ومهارات بشرية، وسلاسل توريد، وإطار تنظيمي واضح.
كما أن الربط بين طنطان وباقي مناطق المملكة، وبينها وبين الموانئ والأسواق، يمكن أن يحدد مدى قدرة المشاريع على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى أي مشروع بشكل منفرد، بل إلى قدرة المنطقة بأكملها على تشكيل منظومة اقتصادية متكاملة.
طنطان.. أين تقف المشاريع فعلياً؟
هذه هي النقطة الأهم في أي قراءة واقعية.
Sila Atlantik ما يزال مشروعاً طموحاً في طور التطوير، ويحتاج إلى ترتيبات تمويلية وتنظيمية وتراخيص واتفاقات متعددة قبل الوصول إلى التنفيذ الميداني. وتقدر مصادر حديثة كلفته بعشرات مليارات اليورو. (Le Desk)
مصنع البولي سيليكون قطع خطوة مؤسساتية مهمة عبر توقيع اتفاق الاستثمار، كما حصل المشروع على دعم أمريكي أولي للدراسات، لكنه يظل في مسار التطوير قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري. (Ministère de l’Investissement)
أما AMTEC، فالمعطى الرسمي المتوفر حالياً هو توقيع مذكرة تفاهم بين المغرب وAFRICOM لإنشائه في طنطان بحلول 2030، مع ثلاثة مكونات رئيسية، وليس إعلاناً عن مركز دخل بالفعل مرحلة التشغيل. (Africom)
وبالتالي، فإن الحديث عن “ثلاثة مشاريع عالمية دخلت التنفيذ في طنطان” سيكون مبالغة. الأدق هو الحديث عن ثلاثة مسارات كبرى وضعت المدينة أمام فرص جديدة، لكن بدرجات مختلفة من النضج.
طنطان.. الامتحان الحقيقي يبدأ بعد الإعلان
تاريخ المشاريع الكبرى مليء بالإعلانات التي لم تتحول جميعها إلى منشآت واقتصاد وفرص شغل.
لهذا فإن السؤال الحقيقي بالنسبة لطنطان ليس فقط: كم مشروعاً أعلن عنه؟
السؤال الأهم هو: كم مشروعاً سينتقل إلى البناء؟ وكم واحداً سيبدأ الإنتاج؟ وكم وظيفة سيخلق؟ وما حجم القيمة التي ستبقى داخل الاقتصاد المحلي؟
فإذا نجحت المشاريع في الوصول إلى مرحلة التشغيل، فقد تكون أمام طنطان فرصة لإعادة تشكيل جزء من اقتصادها، ليس فقط عبر الوظائف المباشرة، وإنما أيضاً عبر الخدمات والمقاولات والتكوين والنقل واللوجستيك والصيانة.
أما إذا بقيت المشاريع في مستوى الدراسات ومذكرات التفاهم والإعلانات، فإن أثرها الاقتصادي سيظل محدوداً.
طنطان.. فرصة تاريخية بشرط استفادة السكان
النجاح الحقيقي لأي تحول اقتصادي لا يقاس بحجم الاستثمار فقط، وإنما بمدى انعكاسه على السكان.
ولهذا سيكون من الضروري أن يترافق استقطاب المشاريع مع تكوين الشباب المحلي في المجالات الصناعية والتكنولوجية والطاقية، وتشجيع المقاولات المحلية على الاندماج في سلاسل التوريد، وربط التكوين المهني بالحاجيات الفعلية للمشاريع.
كما أن خلق وظائف مستدامة ورفع مستوى المهارات يمكن أن يجعل طنطان تنتقل من مجرد موقع لاستقبال مشاريع كبرى إلى مركز لإنتاج القيمة والمعرفة والخدمات.
وهذه النقطة بالذات ستكون اختباراً حقيقياً لمدى نجاح النموذج الجديد.
طنطان.. منطق الاقتصاد الجديد
القصة الأوسع التي يمكن قراءتها من هذه التطورات هي أن الاقتصاد الحديث لا يبحث فقط عن الموارد الموجودة تحت الأرض.
طنطان لا تملك نفطاً ضخماً، ولا تعتمد على الذهب كرافعة اقتصادية، لكن موقعها وإمكاناتها الطبيعية ومساحاتها المفتوحة يمكن أن تمنحها مكاناً في مشاريع مرتبطة بالطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
ومع ذلك، فإن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائياً إلى ثروة. ما يحسم النتيجة هو التنفيذ، والتمويل، والسرعة، والتكوين، وربط المشاريع بالاقتصاد المحلي.
طنطان.. هل نحن أمام تحول حقيقي أم مجرد بداية؟
المؤشرات الحالية تستحق المتابعة، لكن من المبكر إعلان تحول طنطان إلى قطب عالمي.
هناك مشروع طاقة ضخم يتجه نحو السوق الألمانية، ومشروع صناعي استراتيجي للبولي سيليكون، ومذكرة تفاهم مغربية أمريكية لإنشاء مركز متعدد المجالات. وهذه كلها تطورات مهمة، لكنها ليست في المرحلة نفسها ولا تحمل درجة المخاطرة نفسها.
والأقرب إلى الحقيقة أن طنطان دخلت مرحلة جديدة من الاهتمام الاستثماري والمؤسساتي، وأن السنوات المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كانت هذه المبادرات ستتحول إلى اقتصاد منتج على الأرض.
فإذا بدأ البناء، واشتغلت المصانع، وتطورت البنية التحتية، ووجد الشباب فرص التكوين والعمل، عندها فقط يمكن الحديث عن تحول اقتصادي حقيقي.
أما الآن، فإن أفضل وصف للمشهد هو: طنطان تملك فرصة كبيرة، لكن الامتحان الحقيقي لم يبدأ بعد بالكامل.
طنطان أمام اختبار التنفيذ
طنطان تقف اليوم أمام لحظة اقتصادية مختلفة. المشاريع المطروحة تضع المدينة في تقاطع الطاقة النظيفة والصناعة المتقدمة والتكنولوجيا والابتكار.
لكن النجاح لن يأتي من ضخامة الأرقام وحدها، ولا من أسماء الشركات والمؤسسات الدولية التي تظهر في الملفات.
النجاح سيقاس بما سيبنى فعلياً على الأرض، وبما سيُنتج، وبعدد فرص الشغل التي ستُخلق، وبمدى استفادة الاقتصاد المحلي من هذه المشاريع.
إذا تحقق ذلك، فقد تتحول المدينة تدريجياً من محطة جنوبية إلى واحدة من المنصات الاقتصادية الجديدة للمغرب.
أما إذا تعثرت المشاريع في التمويل أو التراخيص أو التنفيذ، فستبقى القصة مجرد مجموعة من الوعود الطموحة.
والفاصل بين الاحتمال والواقع ليس الإعلان… بل ما سيظهر على الأرض.
