هوبا هوبا… ليست مجرد فرقة موسيقية، بل تجربة فنية مغربية اختارت منذ انطلاقتها من الدار البيضاء قبل نحو ثلاثة عقود أن تشق طريقاً مختلفاً، بعيداً عن التصنيفات الجاهزة والقوالب التقليدية.
فمنذ بداياتها، راهنت الفرقة على مزج الأنماط الموسيقية واللغات واللهجات، لتصنع هوية خاصة جعلتها من أكثر الفرق المغربية تأثيراً واستمرارية داخل الساحة الفنية.
هوبا هوبا تكسر الحدود الموسيقية
لم تعترف “هوبا هوبا سبيريت” يوماً بالفواصل بين الروك وكناوة، أو بين الراي والريغي، ولا حتى بين الشعبي وطرب الآلة والجاز.
فداخل العمل الموسيقي الواحد قد يجد المستمع لقاءً غير متوقع بين الكمان الشعبي والقيثار الكهربائي، أو انتقالاً سلساً بين إيقاعات صوفية وأنغام عالمية، في تجربة تؤكد أن الموسيقى لغة إنسانية واحدة.
المغني الرئيسي رضى علالي أوضح أن الفرقة لا تنطلق من سؤال أصل الموسيقى، بل من جودة الإحساس الذي تنقله، معتبراً أن المغاربة بطبيعتهم منفتحون على مختلف المدارس الموسيقية، وهو ما ينبغي استثماره بدل حصر الإبداع داخل تصنيفات ضيقة.
هوبا هوبا تعكس تنوع المغرب
من جانبه، أكد أنور الزهواني أن أعضاء الفرقة انطلقوا كأصدقاء يجمعهم عشق الموسيقى، بعدما شعروا بأن الأغاني السائدة آنذاك لا تعبر عن واقعهم ولا عن أسئلتهم اليومية، فقرروا إنتاج موسيقى تشبههم وتشبه جيلهم.
أما عثمان حميمر ومحمد لعبيدي، المعروف بـ”أوبيز”، فأوضحا أن كل عضو يحمل خلفية موسيقية مختلفة، فمنهم القادم من الشعبي والراي، ومنهم المتأثر بالروك أو الركادة أو الموسيقى الغربية، وهو ما جعل “هوبا هوبا” صورة مصغرة عن التنوع الثقافي المغربي.
الأغنية مرآة المجتمع
لم تعتمد هوبا هوبا على الأغاني العاطفية التقليدية، بل جعلت من قضايا المجتمع مادتها الأساسية. فمن انتقاد البيروقراطية والسخرية من بعض السلوكات اليومية، إلى طرح أسئلة الهوية والانتماء، ظلت كلمات الفرقة مرتبطة بما يعيشه المواطن المغربي.
ويؤكد أعضاء الفرقة أن الأفكار التي تتحول إلى أغانٍ هي نفسها المواضيع التي يناقشونها في جلساتهم اليومية، لذلك جاءت أعمالهم صادقة وقريبة من الجمهور، الذي وجد فيها انعكاساً لهمومه وتساؤلاته.
معاني تتغير مع الزمن
مرت السنوات، وتغيرت دلالات عدد من أغاني الفرقة، خاصة تلك المرتبطة بكرة القدم المغربية. فبعد أن كانت بعض الكلمات تعبر بسخرية عن حلم بعيد، أصبحت اليوم تستحضر واقعاً أكثر تفاؤلاً بعد الإنجازات التي حققها المنتخب الوطني.
ويرى رضى علالي أن التغيير لم يقتصر على معنى الأغاني، بل طال نظرة المغاربة لأنفسهم، مؤكداً أن الثقة التي اكتسبها المجتمع انعكست أيضاً على قراءة الجمهور للأعمال القديمة.
ورغم ذلك، فإن أغنية “بلاك موصيبة” لا تزال حاضرة بقوة في الحفلات، باعتبارها تعبيراً عن مشاعر عاشها كل محب لكرة القدم، وليس فقط عن مرحلة معينة من تاريخ المنتخب الوطني.
الموسيقى للتشافي
واحدة من أبرز خصوصيات حفلات هوبا هوبا تتمثل في دعوتها الجمهور إلى إغلاق الهواتف والاندماج الكامل مع اللحظة الفنية. فالفرقة تؤمن بأن الحفل الموسيقي ليس مناسبة للتوثيق فقط، بل مساحة للتفاعل الجماعي والتخلص من الضغوط اليومية.
ويرى رضى علالي أن مهمة الفنان لا تقتصر على الغناء، بل تمتد إلى نشر الفرح وصناعة لحظات يشعر فيها الناس بالراحة والانتماء، خصوصاً في زمن أصبح فيه استهلاك الموسيقى يتم بشكل فردي عبر الهواتف والمنصات الرقمية.
ويشدد باقي أعضاء الفرقة على أن المغرب يمتلك إرثاً موسيقياً روحياً عريقاً، من كناوة إلى الموسيقى الصوفية، وهو ما يجعل الجمهور المغربي يبحث عن تجربة حية يعيشها بكامل أحاسيسه، لا مجرد صور ومقاطع فيديو يشاركها على مواقع التواصل.
إرث فني يتجاوز الأجيال
نجاح هوبا هوبا لم يعد مرتبطاً فقط بجيل التسعينيات أو الألفية الجديدة، بل امتد ليصل إلى جمهور شاب اكتشف أغانيها عبر المنصات الرقمية ومقاطع الحفلات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورغم تغير الذوق الموسيقي وظهور أنماط جديدة، ما تزال الفرقة تحافظ على حضورها بفضل قدرتها على مخاطبة الإنسان قبل مخاطبة المستمع، من خلال كلمات بسيطة تحمل رسائل عميقة وإيقاعات تجمع بين الأصالة والتجديد.
مستقبل مفتوح على التجديد
وتؤكد مسيرة هوبا هوبا أن الاستمرارية في الساحة الفنية لا تتحقق بالاعتماد على النجاحات السابقة فقط، بل بالقدرة على تطوير التجربة مع الحفاظ على الهوية.
وبعد ثلاثة عقود من العطاء، تبدو الفرقة متمسكة بخيارها القائم على الحرية الفنية والانفتاح على مختلف الثقافات الموسيقية، وهو ما يجعلها واحدة من أبرز التجارب المغربية التي نجحت في الجمع بين الشعبية والجودة، ورسخت مكانتها كعلامة فارقة في تاريخ الموسيقى المعاصرة بالمغرب.
حضور يتجدد
بعد ما يقرب من ثلاثين سنة على تأسيسها، تواصل هوبا هوبا تقديم نموذج مختلف داخل المشهد الفني المغربي، بفضل قدرتها على التجدد دون التخلي عن هويتها الأصلية. فالتنوع الموسيقي، والجرأة في المواضيع،
والعلاقة الخاصة مع الجمهور، كلها عناصر جعلت الفرقة تحافظ على مكانتها جيلاً بعد جيل، وتؤكد أن الفن الحقيقي لا يقاس بالعمر، بل بقدرته على ملامسة الإنسان أينما كان.
