ناقوس الخطر
عاد ملف القطيع الوطني إلى واجهة النقاش بقوة بعد عيد الأضحى الأخير، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات اللجوء إلى ذبح إناث الأغنام والماعز والخرفان الفتية، في مشهد اعتبره مهنيون مؤشرا مقلقا على حجم الأزمة التي يعيشها قطاع تربية الماشية بالمغرب.
فبعد سنوات متتالية من الجفاف وتراجع الموارد الطبيعية وارتفاع تكاليف الإنتاج، كانت الآمال معلقة على إعادة بناء القطيع الوطني تدريجيا واسترجاع التوازن المفقود داخل القطاع. غير أن ما حدث خلال عيد الأضحى الأخير أعاد طرح العديد من علامات الاستفهام حول مستقبل الثروة الحيوانية بالمملكة.
عرض محدود وطلب مرتفع
أجمع مهنيون ومربو ماشية على أن الضغط الكبير الذي شهده السوق الوطني خلال الأيام الأخيرة التي سبقت عيد الأضحى أدى إلى استنزاف جزء مهم من القطيع الوطني.
ففي ظل محدودية العرض وارتفاع الطلب إلى مستويات غير مسبوقة، وجد عدد من الكسابة أنفسهم أمام فرصة لتحقيق أرباح سريعة، ما دفع بعضهم إلى عرض إناث الأغنام والماعز والخرفان الصغيرة للبيع، رغم أهمية هذه الأصناف في ضمان استدامة القطيع خلال المواسم المقبلة.
ويرى متابعون أن هذه الممارسات تعكس حجم الاختلال القائم بين المعطيات الرسمية المعلنة والواقع الميداني الذي كشف عن نقص واضح في رؤوس الماشية الجاهزة للتسويق.
النعاج تدفع الثمن
يؤكد عدد من المهنيين أن أخطر ما شهده الموسم الحالي هو الإقبال على ذبح النعاج وإناث الماعز، باعتبارها العمود الفقري لأي عملية تهدف إلى إعادة تكوين القطيع الوطني.
فالحفاظ على الإناث المنتجة يشكل شرطا أساسيا لضمان تجدد القطيع ورفع أعداد الرؤوس خلال السنوات المقبلة، بينما يؤدي استنزافها إلى تعقيد عملية إعادة البناء وخلق ضغوط إضافية على السوق.
وفي هذا السياق، اعتبر عدد من الكسابة أن السماح بذبح إناث الأغنام والماعز، باستثناء الحوامل منها، جاء في ظرفية لم تكن تسمح بمثل هذا القرار، خاصة وأن القطاع لم يتجاوز بعد تداعيات سنوات الجفاف المتتالية.
أسعار على صفيح ساخن
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود تراجع أعداد المواشي فقط، بل امتدت إلى الأسعار التي سجلت مستويات قياسية خلال الموسم الحالي.
فبحسب مهنيين، تجاوزت أثمنة بعض الأضاحي 2500 درهم للرأس الواحد، وهو ما شكل عبئا إضافيا على الأسر المغربية. كما يتوقع أن يؤدي استنزاف القطيع الوطني إلى ارتفاع أكبر في أسعار النعاج والخرفان خلال الفترة المقبلة، بسبب تزايد الطلب مقابل محدودية العرض.
ويحذر الفاعلون في القطاع من أن استمرار الوضع الحالي قد يجعل اقتناء الأضاحي أكثر صعوبة خلال المواسم القادمة، ما لم يتم اتخاذ إجراءات عملية ومستعجلة لإنقاذ القطاع.
حلقة مفرغة
يرى العديد من المربين أن أزمة القطيع الوطني أصبحت تدور في حلقة مفرغة؛ فكلما تم ضخ دعم أو إطلاق برامج لإعادة التكوين، تعود الضغوط السوقية لتقضي على جزء من النتائج المحققة.
ويؤكد هؤلاء أن القطاع يحتاج إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على حماية الإناث المنتجة، ودعم المربين بشكل فعلي، ومراقبة الأسواق، مع توفير الأعلاف بأسعار مناسبة تمكن الكسابة من الحفاظ على مواشيهم.
كما أن استمرار الظروف المناخية الصعبة يفرض اعتماد مقاربات جديدة تضمن التوازن بين متطلبات السوق والحفاظ على الثروة الحيوانية الوطنية.
شبح أزمة جديدة
المخاوف التي يعبر عنها المهنيون اليوم لا ترتبط فقط بعيد الأضحى المقبل، بل تتجاوز ذلك إلى مستقبل القطيع الوطني برمته.
فاستنزاف النعاج والخرفان الفتية خلال موسم واحد قد يؤدي إلى تراجع أعداد الرؤوس المخصصة للتكاثر، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على الإنتاج الوطني خلال السنوات القادمة.
ويجمع المتابعون على أن حماية القطيع الوطني لم تعد خيارا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان الأمن الغذائي واستقرار القطاع الفلاحي والحفاظ على توازن السوق الوطنية.
وبين تحذيرات المهنيين وانتظارات المواطنين، يبقى السؤال المطروح بقوة: هل تنجح التدخلات المقبلة في إنقاذ القطيع الوطني من أزمة جديدة، أم أن ما حدث خلال عيد الأضحى الأخير سيكون بداية مرحلة أكثر صعوبة على قطاع الماشية بالمغرب؟
