كاسبريس: ليلى المتقي
أصبح كأس العالم 2030 أكثر من مجرد حدث رياضي ينتظره عشاق كرة القدم، بل مشروعاً استراتيجياً ضخماً يحمل رهانات اقتصادية وسياحية وتنموية كبرى بالنسبة للمغرب. وبينما تستعد المملكة لاحتضان هذا الحدث العالمي إلى جانب إسبانيا والبرتغال،
تكشف تجارب الدول التي نظمت المونديال خلال العقدين الماضيين أن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الملاعب، بل بقدرة الدولة على تحويل البطولة إلى إرث اقتصادي وتنموي مستدام.
المونديال ليس عصاً سحرية
مع اقتراب موعد كأس العالم 2030 الذي سيحتضنه المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يتجدد النقاش حول المكاسب الاقتصادية الحقيقية التي يمكن أن تحققها المملكة من استضافة أكبر تظاهرة كروية على وجه الأرض. وبين الوعود المرتبطة بجذب الاستثمارات وتحفيز النمو وخلق فرص الشغل،
تكشف تجارب الدول التي استضافت النسخ السابقة من كأس العالم أن النجاح لا يقاس فقط بعدد الملاعب المشيدة أو حجم الإنفاق، بل بقدرة الدولة على تحويل الحدث إلى مشروع تنموي طويل الأمد.
فالتجارب الدولية تؤكد أن المونديال قد يكون فرصة تاريخية للتنمية، كما يمكن أن يتحول إلى عبء مالي ثقيل إذا غابت الرؤية الاستراتيجية والتخطيط المستدام. وفق معطيات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA).
ألمانيا ربحت الصورة
عندما استضافت ألمانيا مونديال 2006، كانت التوقعات الاقتصادية مرتفعة للغاية، غير أن الدراسات اللاحقة أظهرت أن الأثر المباشر على الاقتصاد كان محدوداً مقارنة بحجم الاقتصاد الألماني.
لكن النجاح الحقيقي تحقق في مجال آخر أكثر أهمية، وهو القوة الناعمة. فقد استغلت ألمانيا البطولة لتقديم صورة جديدة عن بلد حديث ومنفتح وجذاب للسياحة والاستثمار، وهو ما جعل مكاسبها المعنوية والدبلوماسية تتجاوز العائدات المالية المباشرة.
وهنا يظهر أول درس مهم للمغرب في أفق كأس العالم 2030: الاستثمار في الصورة الدولية للمملكة لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية.
جنوب أفريقيا وسقوط الفيلة البيضاء
رغم النجاح التنظيمي الذي حققته جنوب أفريقيا سنة 2010، فإن عدداً من الملاعب والمنشآت التي شيدت خصيصاً للمونديال تحولت بعد البطولة إلى عبء مالي على الدولة والبلديات.
وظهر ما يعرف اقتصادياً بظاهرة “الفيلة البيضاء”، أي منشآت ضخمة مكلفة لا تجد استعمالاً حقيقياً بعد انتهاء الحدث الرياضي.
هذه التجربة تطرح سؤالاً محورياً أمام المغرب: كيف يمكن ضمان استغلال الملاعب والمنشآت الرياضية بعد نهاية كأس العالم 2030؟
الجواب يكمن في ربط المشاريع الرياضية بحاجيات المدن والسكان، وتحويلها إلى مراكز اقتصادية ورياضية وسياحية مستدامة.
البرازيل.. حين تصطدم الأحلام بالواقع
دخلت البرازيل مونديال 2014 وسط وعود اقتصادية ضخمة، لكن الواقع كشف لاحقاً أن جزءاً كبيراً من هذه التوقعات كان مبالغاً فيه.
فقد ارتفعت تكاليف التنظيم بشكل كبير، بينما اندلعت احتجاجات شعبية بسبب الإنفاق على الملاعب في وقت كانت فيه قطاعات الصحة والتعليم تعاني من مشاكل مزمنة.
وتؤكد هذه التجربة أن النجاح في كأس العالم 2030 لن يقاس بحجم الأموال المصروفة، بل بمدى تحقيق التوازن بين الاستثمار الرياضي وتلبية الأولويات الاجتماعية والتنموية للمواطنين.
روسيا وقطر.. القوة الناعمة تنتصر
روسيا سنة 2018 وقطر سنة 2022 قدمتا نموذجين مختلفين في استغلال كأس العالم كأداة لتعزيز الحضور الدولي.
فروسيا استخدمت البطولة لإظهار قدرتها التنظيمية رغم الضغوط السياسية والعقوبات الدولية، بينما حولت قطر المونديال إلى منصة عالمية للتعريف بثقافتها وهويتها العربية والإسلامية، وربطت الحدث برؤية اقتصادية طويلة المدى.
وتكشف هذه التجارب أن أكبر مكاسب كأس العالم 2030 قد لا تكون مالية فقط، بل مرتبطة بتعزيز مكانة المغرب كقوة إقليمية ووجهة سياحية واستثمارية عالمية.
الرهان المغربي الكبير
اليوم، يبدو المغرب في موقع أفضل مقارنة بعدد من الدول التي استضافت المونديال سابقاً. فالمملكة لا تنطلق من الصفر، بل تمتلك شبكة متطورة من الطرق السيارة والموانئ والمطارات والقطارات فائقة السرعة، إضافة إلى تجربة ناجحة في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى.
كما أن المشاريع الجارية في مجالات النقل والبنية التحتية والسياحة تتجاوز إطار البطولة نفسها، وهو ما ينسجم مع الدروس التي أفرزتها التجارب الدولية السابقة.
ويبقى التحدي الأكبر هو ضمان أن تتحول استثمارات كأس العالم 2030 إلى إرث اقتصادي دائم ينعكس على التنمية المحلية وخلق فرص الشغل وتحسين جاذبية المغرب لعقود طويلة بعد إسدال الستار على البطولة.
5 دروس لا يجب تجاهلها
تكشف تجارب ألمانيا وجنوب أفريقيا والبرازيل وروسيا وقطر أن تنظيم كأس العالم لا يضمن تلقائياً الازدهار الاقتصادي. فالنجاح الحقيقي يرتبط بخمسة عناصر أساسية: التخطيط طويل الأمد، تجنب الفيلة البيضاء، تطوير البنية التحتية المستدامة، تعزيز القوة الناعمة، وربط المشاريع الرياضية برؤية تنموية شاملة.
وبالنسبة للمغرب، فإن كأس العالم 2030 ليست مجرد بطولة لكرة القدم، بل فرصة تاريخية لإعادة رسم صورة المملكة عالمياً وتعزيز مكانتها الاقتصادية والسياحية والدبلوماسية. والرهان اليوم ليس على تنظيم مونديال ناجح فقط، بل على تحويله إلى نقطة تحول حقيقية في مسار التنمية المغربية.
