كأس العالم 2026 … بات محور نقاش اقتصادي واسع؛ بعدما كشف تقرير مشترك بين الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” ومنظمة التجارة العالمية عن حجم العائدات المرتقبة من النسخة الحالية للمونديال، المقامة للمرة الأولى في تاريخ البطولة عبر ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
التقرير، الذي صدر في مارس 2025 قبل انطلاق منافسات النسخة بين يونيو ويوليوز 2026، يشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي وحده سيستفيد بما قيمته 17.2 مليار دولار كناتج داخلي إجمالي، وهو رقم أثار نقاشاً واسعاً حول حجم هذه الاستفادة مقارنة بحجم أكبر اقتصاد في العالم، وحول ما يمكن أن تعنيه أرقام مماثلة لدولة مثل المغرب، المرشحة لاستضافة النسخة المقبلة سنة 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال.
كأس العالم 2026 وأرقام الفيفا الأولية عن الاقتصاد الأمريكي
بحسب التقرير، فإن الأثر الاقتصادي الإجمالي لكأس العالم 2026 على مستوى العالم يقدر بنحو 40.9 مليار دولار كناتج داخلي إجمالي، تحصل الولايات المتحدة منها على النصيب الأكبر بقيمة 17.2 مليار دولار، أي ما يقارب 42 بالمئة من الإجمالي العالمي رغم استضافتها جزءاً فقط من المباريات إلى جانب كندا والمكسيك.
أما من حيث الناتج الإجمالي الخام (Gross Output)، وهو مؤشر أوسع يشمل كامل حركة الإنفاق والإنتاج المرتبطة بالحدث، فتصل حصة أمريكا وحدها إلى 30.5 مليار دولار، من أصل 80 مليار دولار على المستوى العالمي.
هذا الرقم، رغم ضخامته الظاهرية، لا يشكل سوى نسبة ضئيلة جداً من حجم الاقتصاد الأمريكي الذي يتجاوز 32 تريليون دولار، ما يجعل مساهمة المونديال فيه لا تتعدى بضعة أعشار من نقطة مئوية واحدة.
وهو ما دفع محللين اقتصاديين، من بينهم فريق أبحاث “مورغان ستانلي”، إلى وصف الأثر الاقتصادي للبطولة على النمو الأمريكي بأنه “محدود جداً” مقارنة بحجم الاقتصاد ككل.
كأس العالم 2026 : كيف تتوزع مليارات الفيفا نفسها؟
جزء مهم من الأرقام المعلنة لا يعود بالضرورة إلى الاقتصاد المحلي المضيف، بل يذهب مباشرة إلى خزينة الفيفا نفسها.
فالاتحاد الدولي يتوقع تحصيل ما يقارب 11 مليار دولار من عائدات النسخة الحالية، موزعة بين حقوق البث التلفزيوني التي تشكل الحصة الأكبر بنحو 4.4 مليار دولار، ورعاية الشركات الكبرى مثل مصنعي المعدات الرياضية بقيمة تقارب 2.2 مليار دولار، ومبيعات التذاكر التي تصل إلى 1.6 مليار دولار، إضافة إلى برامج الضيافة والاستضافة الفاخرة (Hospitality) بقيمة 1.1 مليار دولار.
والملاحظ أن هذه المداخيل تُعفى في الغالب من الضرائب المحلية بموجب الاتفاقيات التي توقعها الدول المضيفة مع الفيفا، وهو ما جعل بعض المراقبين يعتبرون أن الفيفا هي المستفيد الأكبر فعلياً من الحدث، أكثر من الدول المضيفة نفسها.
كأس العالم 2026 ومساهمته في الضرائب والتشغيل داخل أمريكا
من الناحية الضريبية، يقدر التقرير أن كأس العالم 2026 سيضيف مباشرة نحو 3.4 مليار دولار إلى عائدات الضرائب الأمريكية، وهو رقم وصفه محللون بأنه متواضع جداً بالنسبة لبلد بحجم الولايات المتحدة، إذ يمكن لمدينة أمريكية متوسطة الحجم أن تحقق مداخيل ضريبية مقاربة في ظروف اقتصادية عادية.
أما من حيث سوق الشغل، فيتوقع التقرير خلق ما يعادل 185 ألف منصب عمل بدوام كامل، وهو رقم قريب مما يضيفه الاقتصاد الأمريكي عادة خلال شهر واحد من النشاط الاقتصادي المعتاد، وهو ما يعزز فكرة أن الأثر التشغيلي للبطولة، رغم إيجابيته، يبقى محدوداً على المستوى الوطني الكلي.
كأس العالم 2026 وحصيلة الزوار الدوليين ونفقاتهم اليومية
من المنتظر، وفق التقديرات الأولية، أن يستقطب المونديال أكثر من مليون زائر دولي إلى الولايات المتحدة، فيما تشير تقديرات أخرى إلى وصول عدد الحضور الإجمالي في مباريات النسخة إلى نحو 6.5 مليون متفرج.
ويتوقع أن ينفق الزائر الأجنبي الواحد ما يقارب 400 دولار يومياً خلال إقامته، بمعدل إقامة يصل إلى نحو 12 يوماً في المتوسط، وإن كان هذا الرقم يخفي تبايناً كبيراً بين من يقتصر تنقله على مدينة واحدة قريبة من بلده، ومن يمدد إقامته لمتابعة عدة مباريات في مدن مختلفة.
هذا الإنفاق السياحي يشكل أحد أهم مكونات الأثر الاقتصادي المباشر للبطولة، لكنه يبقى أيضاً مرهوناً بعوامل خارجة عن التنظيم الرياضي نفسه.
كأس العالم 2026 : لماذا لم تستثمر أمريكا كثيراً في البنية التحتية؟
خلافاً لدول مضيفة سابقة اضطرت لبناء ملاعب وبنيات تحتية ضخمة من الصفر، لم تحتج الولايات المتحدة إلى استثمارات كبرى في هذا الجانب، إذ لا يتجاوز حجم الاستثمار المباشر في الملاعب والمنشآت نحو 1.5 مليار دولار فقط.
والسبب يعود إلى أن أغلب الملاعب المستعملة في البطولة، بما فيها بعض ملاعب المدارس الثانوية الأمريكية المعروفة بجودة عشبها وتجهيزاتها المتطورة، كانت أصلاً جاهزة للاستخدام قبل الإعلان عن استضافة الحدث، سواء لممارسة كرة القدم الأمريكية أو كرة القدم التقليدية.
هذا العامل يفسر جزئياً محدودية الأثر الاقتصادي المباشر للبطولة على قطاع البناء والأشغال العمومية، مقارنة بنسخ سابقة استوجبت مشاريع بنية تحتية ضخمة.
من بين المدن المستفيدة، تبرز نيويورك كأكبر مستفيد بحصة تقدر بـ3.3 مليار دولار، وهو رقم يبقى بدوره ضئيلاً جداً مقارنة بحجم الاقتصاد الجهوي لهذه المدينة الاقتصادية الكبرى، ما يعكس النمط العام الذي تكرر مع باقي المدن المضيفة.
كأس العالم 2026 وتوقعات الفنادق التي تراجعت عن السقف المنتظر
على الرغم من التفاؤل الذي طبع التقارير الأولية للفيفا، كشفت استطلاعات لاحقة أن نحو 80 بالمئة من الفنادق في المدن المضيفة سجلت مستويات حجز أقل بكثير من التوقعات الأولى التي بنت عليها خططها.
ويعزو مراقبون هذا التراجع إلى عدة عوامل مجتمعة، أبرزها صعوبات الحصول على تأشيرات الدخول لعدد من الجماهير القادمة من الخارج، إضافة إلى السياق الجيوسياسي العالمي الذي دفع بعض المشجعين إلى العدول عن السفر لحضور المباريات لأسباب تتعلق بالتوترات الدولية الراهنة، وليس فقط بعوامل اقتصادية أو تنظيمية بحتة.
كأس العالم 2026 : أين يقف المغرب من هذه الأرقام استعداداً لنسخة 2030؟
يكتسب هذا النقاش بعداً خاصاً بالنسبة للمغرب، الذي سيستضيف نسخة 2030 من كأس العالم رفقة إسبانيا والبرتغال.
فحجم اقتصاد المغرب لا يتجاوز 163 مليار دولار، مقابل أكثر من 32 تريليون دولار للاقتصاد الأمريكي، ما يعني أن أي عائدات مماثلة لتلك التي سجلتها أمريكا ستشكل بالنسبة للمملكة نسبة مئوية أكبر بكثير من الناتج الداخلي الإجمالي، عكس ما هو عليه الحال بالنسبة لأمريكا التي لا تكاد تشعر بأثر هذه المليارات على اقتصادها الضخم.
وللمقارنة، فإن عائدات القطاع السياحي المغربي بأكمله خلال سنة 2024 كانت في حدود 14 مليار دولار على امتداد سنة كاملة، وهو ما يعطي فكرة عن الحجم النسبي الذي يمكن أن تمثله بطولة عالمية كبرى بالنسبة لاقتصاد بحجم المغرب، مقارنة بأمريكا التي تستوعب مبالغ مماثلة دون أن تُحدث أثراً ملحوظاً في مؤشراتها الكلية.
كما أن تجربة المغرب في تنظيم بطولة كأس أمم أفريقيا الأخيرة، والتي واجهت انتقادات من بعض المنتخبات المشاركة بخصوص جوانب تنظيمية معينة، تطرح تساؤلات حول كيفية إدارة هذا الملف الحساس مستقبلاً؛
خصوصاً وأن مقارنات أولية بين مستوى التنظيم في المغرب ومستوى الانتقادات الموجهة لبعض جوانب تنظيم النسخة الأمريكية تكشف تبايناً في طريقة التعاطي الإعلامي والرسمي مع هذا النوع من الملاحظات.
كأس العالم 2026 بين الأرقام الكبيرة والفائدة النسبية
في النهاية، تبقى الأرقام المعلنة حول العائدات الاقتصادية لكأس العالم 2026 أولية وقابلة للتعديل إلى حين انتهاء البطولة فعلياً وصدور التقارير النهائية المدققة.
وما تكشفه هذه المعطيات الأولية هو أن حجم الفائدة الاقتصادية لحدث رياضي عالمي كبير يبقى نسبياً بامتياز، إذ يرتبط أساساً بحجم الاقتصاد المضيف نفسه أكثر من ارتباطه بضخامة الرقم المعلن.
وهو درس مهم بالنسبة للمغرب وهو يستعد لاستضافة النسخة المقبلة سنة 2030، حيث ستكون العائدات المرتقبة، وإن بدت أصغر رقمياً من نظيرتها الأمريكية، أكثر تأثيراً نسبياً على الاقتصاد الوطني ومسار التنمية بالمملكة.
