كاسبريس: ليلى المتقي
تشهد العلاقات المغربية البريطانية خلال السنوات الأخيرة تحولاً استراتيجياً لافتاً، مدعوماً بتقارب سياسي متزايد ونمو قوي في المبادلات التجارية والاستثمارات.
ويعكس الحضور المتزايد للشركات البريطانية بالمغرب والدعم الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية دخول الشراكة بين الرباط ولندن مرحلة جديدة عنوانها التعاون الاقتصادي والدبلوماسي طويل الأمد.
تحالف يتسارع
تشهد العلاقات المغربية البريطانية خلال السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً جعلها تدخل مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد، مدفوعة بتقارب سياسي متزايد ومصالح اقتصادية متنامية ورؤية مشتركة تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
ولم يعد التعاون بين الرباط ولندن يقتصر على التبادل التجاري أو التنسيق الدبلوماسي التقليدي، بل تحول إلى شراكة متكاملة تشمل الاستثمار والطاقة والتجارة والسياحة والبنيات التحتية، فضلاً عن التنسيق السياسي في الملفات ذات الأولوية المشتركة.
زيارة تكشف الطموحات
تعكس الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الدولة البريطاني المكلف بالتجارة الدولية، كريس براينت، إلى المغرب، مرفوقاً بوفد اقتصادي يضم نحو خمسين شركة ومقاولة بريطانية، حجم الرهان الذي تضعه المملكة المتحدة على السوق المغربية.
وتؤكد هذه الزيارة أن العلاقات المغربية البريطانية انتقلت من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة البحث عن مشاريع استثمارية كبرى قادرة على تحقيق مصالح متبادلة وتعزيز الحضور الاقتصادي البريطاني في المملكة.
كما أن مشاركة هذا العدد الكبير من الشركات البريطانية تعكس الثقة المتزايدة في مناخ الأعمال بالمغرب وفي الأوراش التنموية الكبرى التي تشهدها المملكة.
الصحراء تغير المعادلة
من بين أبرز التحولات التي ساهمت في تعزيز العلاقات المغربية البريطانية الموقف السياسي الذي عبرت عنه لندن سنة 2025 بشأن قضية الصحراء المغربية، عندما أعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
ويمثل هذا الموقف مكسباً دبلوماسياً مهماً للمغرب، خاصة أن المملكة المتحدة تعد عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي وتتمتع بتأثير كبير داخل المؤسسات الدولية.
ويرى متابعون أن هذا التطور منح زخماً إضافياً للشراكة الثنائية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاستراتيجي بين البلدين.
أرقام تتحدث
الأرقام بدورها تعكس حجم الدينامية التي تعرفها العلاقات المغربية البريطانية، إذ ارتفع حجم المبادلات التجارية بين البلدين من حوالي 2.7 مليار جنيه إسترليني سنة 2021 إلى ما يقارب 4.5 مليار جنيه إسترليني حالياً.
ويؤكد هذا النمو المتسارع أن المغرب أصبح شريكاً اقتصادياً محورياً للمملكة المتحدة في المنطقة، خصوصاً في ظل تزايد الطلب على الفرص الاستثمارية التي توفرها المملكة.
كما سبق للندن أن أعلنت عن نيتها ضخ استثمارات تصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني بالمغرب، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة في الاقتصاد المغربي وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
المغرب بوابة إفريقيا
أحد أهم أسباب قوة العلاقات المغربية البريطانية يتمثل في الموقع الاستراتيجي للمغرب ودوره المتنامي كبوابة رئيسية نحو الأسواق الإفريقية.
فالمشاريع الكبرى التي أطلقها الملك محمد السادس، وعلى رأسها المبادرة الملكية الأطلسية ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، جعلت المملكة محط اهتمام متزايد من قبل المستثمرين البريطانيين الباحثين عن فرص التوسع داخل القارة الإفريقية.
كما أن الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 تفتح آفاقاً واسعة أمام الشركات البريطانية للمساهمة في مشاريع البنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة.
السياحة تقوي التقارب
التقارب بين البلدين لا يقتصر على السياسة والاقتصاد فقط، بل يمتد إلى المجال السياحي الذي يعرف نمواً مستمراً.
فقد استقبل المغرب خلال السنة الماضية أكثر من مليون ونصف مليون سائح بريطاني، وهو رقم يعكس المكانة المتقدمة التي أصبحت تحتلها الوجهة المغربية لدى السياح القادمين من المملكة المتحدة.
وتسهم هذه الأرقام في تعزيز العلاقات المغربية البريطانية وخلق فرص جديدة للتعاون في قطاعات السياحة والنقل الجوي والخدمات المرتبطة بالاقتصاد السياحي.
شراكة نحو المستقبل
المؤشرات الحالية تؤكد أن العلاقات المغربية البريطانية تسير نحو مرحلة أكثر قوة وتأثيراً خلال السنوات المقبلة، مدعومة بتقارب سياسي متزايد ومشاريع اقتصادية طموحة ومصالح استراتيجية مشتركة. وفق المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الأعمال والتجارة البريطانية.
وبين الدعم البريطاني لمغربية الصحراء، وتنامي المبادلات التجارية، وتوسع الاستثمارات والسياحة، يبدو أن الرباط ولندن بصدد بناء نموذج جديد للشراكة يقوم على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة للمستقبل.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم، تبرز هذه الشراكة كواحدة من أهم العلاقات الثنائية التي يمكن أن تمنح المغرب مكاسب اقتصادية ودبلوماسية إضافية خلال المرحلة المقبلة.
