في خطوة توصف بأنها إعلان رسمي لنهاية عصر “الابتزاز البحري”، أطلقت المملكة المغربية أضخم عملية صناعية في تاريخ القارة الإفريقية لبناء أسطول بحري تجاري وطني، عبر إنشاء حوض السفن الأكبر من نوعه بالدار البيضاء، فيما تتنافس عمالقة كوريا الجنوبية للفوز برخصة تشغيله لثلاثة عقود كاملة.
حوض السفن بالدار البيضاء: مواصفات تقنية على مساحة 21 هكتاراً
يمتد المشروع، الذي تشرف عليه الوكالة الوطنية للموانئ، على مساحة 21 هكتاراً، أي ما يعادل نحو 30 ملعب كرة قدم دولياً، باستثمار إجمالي يقارب 300 مليون دولار (نحو 3 مليارات درهم). ويضم الموقع حوضاً جافاً بأبعاد 244 متراً طولاً و40 متراً عرضاً، قادراً على استقبال ناقلات الغاز والسفن العسكرية المتطورة، إلى جانب منصات رفع تتحمل أوزاناً تصل إلى 9000 طن، وأرصفة تجهيز يبلغ طولها الإجمالي 820 متراً خطياً.
ويأتي المشروع بعدما تراجع الأسطول التجاري المغربي، وفق وثائق رسمية لوزارة النقل، من 73 سفينة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي إلى نحو 16 سفينة فقط بحلول عام 2020، وهو ما جعل أكثر من 95% من التجارة الخارجية المغربية تمر عبر شركات ملاحة أجنبية كبرى مثل ميرسك وسي إم إيه سي جي إم، بتكلفة سنوية ضخمة من العملة الصعبة.
حوض السفن يفتح سباقاً كورياً محتدماً بين هيونداي وسامسونج
طرحت الوكالة الوطنية للموانئ طلب عروض دولي لمنح رخصة استغلال الحوض لمدة 30 سنة، في مقابل نقل التكنولوجيا وتدريب المهندسين المغاربة. وتصدرت الشركات الكورية الجنوبية السباق، وعلى رأسها مجموعة هيونداي للصناعات الثقيلة، الرائدة عالمياً في بناء السفن، إلى جانب سامسونج للصناعات الثقيلة وشركة هانوا أوشن.
ويعود اهتمام الشركات الكورية إلى معاناتها من طلبات متراكمة تغطي أكثر من عامين ونصف، ما يدفعها للبحث عن قاعدة إنتاج جديدة قريبة من الأسواق الأوروبية والإفريقية، يوفرها الموقع الجغرافي المغربي واستقراره السياسي ويده العاملة التنافسية.
حوض السفن أداة لاسترجاع السيادة البحرية المغربية
يهدف المشروع إلى تحقيق هدفين استراتيجيين: توطين صيانة الأسطول العسكري للبحرية الملكية محلياً بدل الاعتماد على أحواض أوروبية، وبناء سفن تجارية جديدة كلياً بأيادٍ مغربية. وأكد وزير النقل واللوجستيك في تصريحات رسمية أواخر 2024 أن المغرب يستهدف امتلاك 100 سفينة تجارية وطنية بحلول عام 2040، في خطوة تعد بتخفيض تدريجي لتكلفة النقل البحري وتأثيرها المباشر على أسعار المواد المستوردة كالمحروقات والقمح والأدوية.
حوض السفن يهدد هيمنة إسبانيا على صيانة السفن في المتوسط
يحمل المشروع بعداً جيوسياسياً إضافياً، إذ ترصد تقارير اقتصادية إسبانية بقلق تحول المغرب إلى منافس مباشر لموانئ إسبانيا التي كانت تستقطب لعقود السفن العابرة من مضيق جبل طارق لأعمال الصيانة الدورية، عبر شركات مثل نافانتيا. ويسعى المغرب لاستنساخ تجربته الناجحة في قطاعي السيارات والطيران، حيث استقطبت البلاد شركات مثل رونو وستيلانتيس وحققت عائدات تصديرية كبيرة.
حوض السفن ركيزة صناعية للمبادرة الأطلسية الملكية
يرتبط المشروع بالمبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لتمكين دول الساحل الإفريقي غير الساحلية، كمالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، من الولوج الآمن للمحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية. ويوفر حوض الدار البيضاء، وفق هذه الرؤية، الذراع الصناعي القادر على تزويد هذه الدول بسفن شحن مصممة خصيصاً لخدمة صادراتها، بدل الاعتماد على أحواض أوروبية بشروط مكلفة.
وعلى المستوى الاجتماعي، يُتوقع أن يخلق المشروع آلاف فرص الشغل المتخصصة في الهندسة الميكانيكية والكهرباء الصناعية واللحام عالي الدقة، إلى جانب دفعه نحو إنشاء معاهد تكوين مهني متخصصة في الصناعات البحرية، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب المغربي في قطاع صناعي واعد.
