في ندوة حول المذهب المالكي وتطور المجتمع المغربي، شدّد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق على أن الإمام مالك ليس مجرد شخصية تاريخية، بل رمز حاضر في وجدان المغاربة كلما تحدثوا عن الثوابت الدينية. وأكد أن استحضار قيمه اليوم ضرورة ملحّة، خصوصاً في زمن يُساء فيه استعمال الحرية من قبل أطراف تُظهر عداءً مبدئياً لها، دون أي نصيب في إصلاحها أو ترشيدها.
قيم خلقية وسياسية تتجاوز الزمن
التوفيق أوضح أن الحاجة إلى الإمام مالك ليست علمية فحسب، بل أخلاقية وسياسية بالدرجة الأولى. واستشهد بمنظومة الشيخ عبد الواحد ابن عاشر التي جمعت بين العقيدة الأشعرية وفقه مالك وطريقة الجنيد، مؤكداً أن هذه الثلاثية ما تزال صالحة لمواجهة الجهل والغلو والامتحان الذي يهدد المجتمعات اليوم.
حماية اليقين من التسويش المذهبي
الوزير حذّر من خطورة استغلال الاختلافات الفقهية لإشعال الفتن السياسية، مشيراً إلى أن عواقب هذه الممارسات لا يقدّرها من يسعون إلى الخوض السياسي عبر التسويش المذهبي. وأكد أن فقه الإمام مالك في العبادات والمعاملات يشكّل حصناً لليقين الديني، ومسؤولية العلماء المؤتمنين هي حماية هذا اليقين من العبث.
فقه المعاملات… ركن الحكمة
التوفيق شدّد على أن المذهب المالكي أسّس لبناء ركن عظيم من تعليم الكتاب والحكمة، عبر قواعده ونوازله واجتهاداته في فقه المعاملات. وأضاف أن الجهد المبذول اليوم امتداد لعمل تلامذة الإمام عبر العصور، خدمةً لمذهبه الذي يوازن بين النصوص والمصلحة، ويقدّم حلولاً عملية لحياة الناس.
الإمام السابق لعصره
الوزير لفت إلى أن الإمام مالك كان سابقاً لعصره في التصنيف وتبسيط العلم للعموم، وهو ما يتجلى في كتابه “الموطأ” الذي اعتمد عمل أهل المدينة كأصح وارث للسنة العملية للرسول ﷺ. وأبرز أن هذا المنهج يعكس وعياً عميقاً بضرورة إشراك الجمهور في صناعة المرجعية الدينية.
أخلاق التواضع ورفض الإكراه
التوفيق استعرض القيم التي ميّزت الإمام مالك: رفض احتكار الحقيقة، رفض الإكراه في الدين، قبوله للاختلاف، وزهده في الشهرة، إضافة إلى إخلاصه في التعليم. هذه القيم، بحسب الوزير، هي ما يجعل الإمام مالك حاجة معاصرة في زمن تتعدد فيه التحديات الأخلاقية والسياسية.
دعوة إلى نشر أعمال الندوة
وفي ختام كلمته، دعا وزير الأوقاف إلى نشر أعمال هذه الندوة في أقرب الآجال وترجمتها إلى الفرنسية والإنجليزية، حتى تصل إلى إفريقيا التي تشترك مع المغرب في العمل بمذهب الإمام مالك، مؤكداً أن هذا التراث الفقهي يشكّل جسراً حضارياً وروحياً بين الشعوب.
