بنكيران والعثماني .. يبدوان مرة أخرى في قلب واحد من أكثر النقاشات حساسية داخل حزب العدالة والتنمية؛ بعدما تحولت عبارة وجهها عبد الإله بنكيران إلى سعد الدين العثماني إلى سجال سياسي وتنظيمي تجاوز حدود الرجلين، ليعيد معه ملف تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020 إلى واجهة النقاش.
بدأت القصة بتصريح لبنكيران خلال لقاء حزبي نظم بإقليم النواصر يوم الأحد 4 أكتوبر الجاري، حيث خاطب العثماني بعبارة «الزم بيتك وشد تيقارك»، داعياً إياه إلى الابتعاد عن بعض الأنشطة الحزبية والعودة إلى المجال العلمي الذي كان يشتغل فيه قبل تحمله المسؤوليات السياسية. كما استحضر بنكيران توقيع العثماني على الإعلان الثلاثي المتعلق باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، باعتبار أن ذلك الملف ما يزال يستخدم ضد الحزب ومناضليه. وقد تداولت وسائل إعلام مغربية واسعة التصريح، قبل أن يتوسع الجدل داخل الحزب وخارجه.
بنكيران والعثماني.. عبارة أشعلت نقاشاً أكبر من صاحبَيها
في الساعات التي أعقبت التصريح، لم يعد النقاش محصوراً في طبيعة العلاقة بين بنكيران والعثماني، بل انتقل إلى سؤال أكثر تعقيداً: هل من المشروع إعادة فتح ملف 2020 بالطريقة نفسها بعد ست سنوات، وتحميل رئيس الحكومة السابق المسؤولية بشكل شخصي، أم أن الواقعة كانت مرتبطة بقرار دولة وبالموقع الدستوري الذي كان يشغله العثماني في تلك المرحلة؟
داخل العدالة والتنمية، ظهرت مواقف رافضة لطريقة مخاطبة العثماني، فيما ركزت أصوات أخرى على الخلفية المؤسساتية لتوقيعه على الإعلان الثلاثي. وقد رأى محمد يتيم أن إعادة إثارة الملف بهذا الشكل لم تكن في محلها، معتبراً أن تحميل العثماني وحده تبعات القرار يتجاوز ما يمكن أن يتحمله شخص واحد، كما انتقد ما اعتبره محاولة للحد من نشاطه العلمي والتأطيري.
هذا النقاش أخذ بعداً أكبر لأن الاعتراض لم يأتِ فقط من خصوم بنكيران داخل التنظيم، بل شمل أيضاً أصواتاً تقول إنها ما تزال تقدّر مكانته السياسية، لكنها ترفض الأسلوب الذي تمت به مخاطبة العثماني.
وفي هذا السياق، نُقل عن عصام الرجواني أن ما صدر عن بنكيران في حق العثماني «لا يليق ويستوجب الاعتذار»، بينما عبّر لحسن العمراني عن رفضه للسلوك في تدوينة جاءت في خضم موجة التفاعل مع التصريحات. كما انتقد حسن دحمان، الذي عرّف نفسه بأنه من مناصري بنكيران، طريقة مخاطبة العثماني، معتبراً أن التطبيع كان قراراً للدولة وليس قراراً فردياً لرئيس الحكومة السابق.
بنكيران والعثماني.. ماذا قال بنكيران سنة 2020؟
في 23 ديسمبر 2020، خرج بنكيران في بث مباشر للدفاع عن العثماني، رافضاً مطالب بإقالته أو دفعه إلى الاستقالة بسبب توقيع الإعلان المشترك مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وركز في حديثه آنذاك على موقع العثماني كرئيس للحكومة وعلى طبيعة القرارات المرتبطة بالدولة، محذراً من تحويل المسألة إلى أزمة داخلية أو مؤسساتية.
كان الموقف الذي عبّر عنه بنكيران في تلك اللحظة مختلفاً في نبرته عن النقاش الحالي؛ إذ رأى أن رئيس الحكومة يتحرك ضمن إطار دولة، وأن التعامل مع توقيعه باعتباره قراراً حزبياً صرفاً لا يعكس بالضرورة حقيقة السياق السياسي والمؤسساتي الذي تم فيه.
ولهذا السبب تحديداً، يجد منتقدو بنكيران في أرشيف 2020 نقطة أساسية للمساءلة: إذا كان التوقيع آنذاك مرتبطاً، بحسب قراءة بنكيران نفسه، بموقع رئيس الحكومة وبقرار الدولة، فهل من المنطقي اليوم اختزال الملف في العثماني وحده؟ أم أن مرور السنوات وتغير موقع الرجلين داخل الحزب سمحا بإعادة قراءة تلك الواقعة من زاوية سياسية مختلفة؟
السؤال لا يتعلق فقط بالتطبيع، بل أيضاً بالذاكرة السياسية للحزب، وبكيفية تغير المواقف عندما تنتقل الشخصيات من موقع السلطة إلى موقع المعارضة أو القيادة التنظيمية.
بنكيران والعثماني.. موقف الحزب نفسه يزيد الأسئلة تعقيداً
العودة إلى وثائق العدالة والتنمية في المرحلة نفسها تضيف بعداً آخر إلى النقاش.
ففي يناير 2020، أي قبل الإعلان الثلاثي بأشهر، أكد المجلس الوطني للحزب موقفاً رافضاً للتطبيع مع إسرائيل، وجدد دعمه للقضية الفلسطينية. وهذا الموقف المبدئي ظل حاضراً في أدبيات الحزب خلال تلك المرحلة.
لكن بعد توقيع الاتفاق في ديسمبر 2020، لم يتعامل الحزب مع العثماني وكأنه أصبح خارج الشرعية التنظيمية. وبعد أسابيع فقط، أكد المجلس الوطني في يناير 2021 دعمه للحكومة ونوّه بالعمل الحكومي بقيادة سعد الدين العثماني، وهو ما يظهر أن المؤسسات الحزبية واصلت آنذاك التعامل معه بوصفه رئيساً للحكومة وقائداً للمؤسسة التنفيذية، رغم الجدل السياسي الذي أثاره الاتفاق.
هذه الوقائع تمنح الجدل الحالي بعداً يتجاوز السجال الشخصي. فهناك من يرى أن إعادة محاكمة مرحلة 2020 سياسياً داخل الحزب يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مواقف المؤسسات التي كانت قائمة حينها، لا أن تركز على الشخص الذي وقّع الوثيقة فقط.
وفي المقابل، قد يرى أنصار بنكيران أن مرور السنوات لا يمنع إعادة طرح الأسئلة حول القرارات السابقة، خصوصاً عندما تعود تبعاتها إلى الواجهة في الممارسة السياسية الراهنة.
بنكيران والعثماني.. بين المسؤولية الحزبية والمسؤولية الحكومية
أحد أهم مفاتيح فهم الخلاف الحالي هو الفصل بين صفة سعد الدين العثماني حين وقّع الإعلان الثلاثي وبين صفته كأمين عام لحزب العدالة والتنمية.
فالعثماني كان في نهاية 2020 رئيساً للحكومة وأميناً عاماً للحزب في آن واحد، وهو ما جعل توقيعه موضوعاً لقراءتين: الأولى تنظر إليه باعتباره مسؤولاً سياسياً يقود حزباً له موقف معروف من التطبيع، والثانية تنظر إليه بصفته رئيساً للحكومة ضمن بنية الدولة ومؤسساتها.
وقد استند محمد يتيم في دفاعه عن العثماني إلى البعد المؤسساتي والدستوري، مذكراً بالفصل 55 من الدستور وبطبيعة اختصاصات الدولة في مجال المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ومعتبراً أن الواقعة لا ينبغي التعامل معها كما لو كانت قراراً حزبياً فردياً اتخذه العثماني بصفته أميناً عاماً فقط.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال أكثر دقة: هل كان المطلوب من العثماني أن يتصرف كرئيس حكومة أمين لحزب له موقف سياسي، أم كرئيس حكومة يتحمل مسؤوليات دولة تتجاوز الحسابات التنظيمية للحزب؟
هذا السؤال لم يحصل على جواب موحد داخل العدالة والتنمية، ويبدو أن الجدل الحالي أعاده إلى السطح بعد أن كان قد تراجع بفعل مرور السنوات وتغير خريطة القيادة داخل الحزب.
بنكيران والعثماني.. هل تحول الخلاف إلى أزمة داخلية؟
اللافت في التطورات الأخيرة أن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في التقدير بين قيادتين سابقتين وحاليتين، بل بدأ يمس صورة الحزب نفسه.
عبارة «الزم بيتك» اعتبرها منتقدون أقرب إلى الإقصاء الرمزي منها إلى النقد السياسي، خصوصاً عندما توجه إلى شخصية سبق أن قادت الحكومة والحزب وتحتفظ بحضور علمي ومهني داخل المجتمع.
الكاتب والصحافي لحسن العسيبي وصف الخرجة بأنها لا تليق بصورة بنكيران ولا بالمشهد الحزبي والسياسي، محذراً من أن الخلاف السياسي قد يتحول إلى ما يشبه تصفية الحسابات مع رفيق طريق سياسي قديم.
وفي المقابل، لا يمكن فصل موقف بنكيران عن حساسيته تجاه ما يراه تشويشاً على القيادة الحالية للحزب، خصوصاً في مرحلة يحاول فيها العدالة والتنمية إعادة بناء موقعه السياسي بعد سنوات صعبة.
وتظهر تقارير صحفية متداولة أن بنكيران لم يكن بصدد فتح ملف العثماني من زاوية التقييم التاريخي فقط، وإنما كان يرد أيضاً على ما اعتبره تدخلاً في المشهد الحزبي الداخلي.
ربما تكمن الإجابة في اجتماع هذه العناصر الثلاثة معاً.
بنكيران والعثماني.. اعتذار يعيد ترتيب المشهد
في تطور لاحق، أصدر عبد الإله بنكيران توضيحاً بعد انتشار مقطع من كلمته، أكد فيه أنه يقدر سعد الدين العثماني ويحترمه، مستحضراً عقوداً من العمل المشترك بينهما.
وقال بنكيران إن دعوته العثماني إلى «لـزوم بيته» لم تكن مقصودة للإساءة، وإنه إذا كان في العبارة ما سبب له إساءة فإنه يعذره عنها، مع تأكيده في الوقت نفسه على أنه يرى من المناسب عدم مشاركة العثماني في بعض الأنشطة التي قد تستغل ضد الحزب.
هذا التطور يخفف من حدة الجانب الشخصي في الأزمة، لكنه لا ينهي جوهر النقاش السياسي. فالاعتذار عن العبارة لا يعني بالضرورة إغلاق ملف التوقيع على إعلان 2020، كما أن الدفاع عن العثماني لا يعني رفض مساءلته سياسياً عن تجربته الحكومية.
بل إن التطور الجديد قد ينقل النقاش إلى مستوى أكثر عمقاً: كيف يمكن لحزب سياسي أن يحاسب قياداته السابقة من دون أن تتحول المراجعة إلى صراع شخصي؟ وكيف يمكن لقيادة حالية أن تنتقد سلفها من دون أن يبدو الأمر وكأنه إعادة كتابة للتاريخ التنظيمي؟
بنكيران والعثماني.. صراع الذاكرة السياسية داخل «البيجيدي»
ما يحدث اليوم داخل العدالة والتنمية يتجاوز في جانب منه شخص بنكيران وشخص العثماني. إنه اختبار لطريقة الحزب في التعامل مع ماضيه.
فالعثماني كان لسنوات واحداً من أبرز وجوه العدالة والتنمية، وقاد الحكومة والحزب في مرحلة مفصلية شهدت ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة. وبنكيران بدوره يمثل واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الحزب، وعودته إلى القيادة أعادت معه أسلوباً سياسياً أكثر مباشرة وصدامية.
بين الرجلين تاريخ طويل من العمل السياسي المشترك، لكنه يتضمن أيضاً اختلافات في الأسلوب والتقدير. ولذلك فإن أي مواجهة بينهما تحمل بطبيعتها أكثر من معنى، وتتحول سريعاً إلى حدث يتابعه جمهور الحزب وخصومه معاً.
وتظهر المواقف التي صدرت خلال اليومين الماضيين أن قطاعاً من أعضاء الحزب لا يريد أن يتحول الخلاف حول الماضي إلى معركة مفتوحة في الحاضر، بينما يرى آخرون أن مراجعة القرارات السابقة جزء طبيعي من العمل السياسي ولا ينبغي أن تكون محظورة بحكم قدمها.
المعضلة أن الخط الفاصل بين النقد والمحاسبة من جهة، والتجريح الشخصي من جهة أخرى، يصبح هشاً جداً عندما يتعلق الأمر بشخصيات صنعت جزءاً كبيراً من تاريخ التنظيم.
بنكيران والعثماني.. سؤال ما بعد العاصفة
بعد التوضيح والاعتذار المشروط من بنكيران، قد يبدو أن الأزمة الشخصية في طريقها إلى التهدئة، لكن الأسئلة التي فجرتها لن تختفي بسهولة.
هل يحسم الحزب الجدل حول مسؤولية توقيع 2020 داخل مؤسساته؟ هل يعاد تقييم المرحلة السابقة بلغة سياسية هادئة؟ وهل تستطيع القيادة الحالية والقيادات السابقة التعايش داخل فضاء تنظيمي واحد من دون أن تتحول الاختلافات إلى مواجهات علنية؟
المؤكد أن استدعاء ملف التطبيع بعد ست سنوات يكشف أن بعض القضايا لا تختفي بمجرد مرور الوقت، بل تبقى كامنة في الذاكرة التنظيمية والسياسية، وتعود إلى الواجهة عندما تتغير موازين القيادة أو تتجدد الصراعات الداخلية.
وفي النهاية، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى العدالة والتنمية ليس فقط من قال ماذا في حق من، وإنما هل يستطيع الحزب تحويل هذه المواجهة إلى نقاش مؤسساتي حول المسؤولية والقرار والقيادة، أم أن الخلاف سيظل أسير العبارات الشخصية والردود المتبادلة؟
فبين عبارة «الزم بيتك» واعتذار لاحق عنها، وبين توقيع يعود إلى سنة 2020 ومواقف مؤسساتية أعقبته، تبدو القضية أكبر من خلاف بين شخصين. إنها نقاش حول ذاكرة حزب، ومسؤولية دولة، وحدود النقد داخل تنظيم سياسي عاش تحولات عميقة خلال السنوات الست الماضية.
