أزمة الهجرة في سبتة … شهدت الأحداث الأخيرة في مدينة سبتة المحتلة تطورات جيو-سياسية متسارعة؛ كشفت عن تقاطعات معقدة بين الملفات الحدودية، والصراعات الجيوسياسية في شمال إفريقيا، والعلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول المحيط الإقليمي.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس يتزامن مع ترتيبات السياسة الخارجية المغربية والتوازنات الاقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسط، مما جعل أزمة الهجرة في سبتة محور اهتمام مراكز القرار الإقليمية والدولية.
التطورات الميدانية والاتفاق المغربي الإسباني لإعادة المهاجرين
أفادت مصادر مطلعة ومتطابقة بأن السلطات المختصة في كل من الرباط ومدريد توصلت إلى اتفاق أمني وسياسي يقضي بالإعادة الشاملة والكاملة لجميع المهاجرين غير النظاميين الذين تمكنوا من الوصول سباحة أو عبر المنافذ البحرية والبرية إلى مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام القليلة الماضية.
ويأتي هذا الاتفاق في إطار تنسيق ميداني رفيع المستوى بين وزارة الداخلية المغربية ونظيرتها الإسبانية، بهدف احتواء التردي الميداني وتأمين الشريط الحدودي.
وتعتمد الأجهزة الأمنية في إدارتها لهذه العمليات على تقنيات مراقبة متطورة، تشمل كاميرات المراقبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والمسح الميداني المستمر، لتحديد هويات العابرين وإعادتهم نقطة بنقطة إلى مراكز انطلاقهم،
كواليس التنسيق الإقليمي والصفقات الاقتصادية بين مدريد والجزائر
تشير التقديرات والتقارير التحليلية إلى أن أزمة الهجرة في سبتة لم تكن مجرد اندفاع عابر أو تحرك عشوائي، بل جاءت نتيجة لتقاطعات وتفاهمات كواليس بين الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز والجانب الجزائري.
حيث سعى الجانب الجزائري إلى تقديم تسهيلات اقتصادية وتجارية غير مسبوقة للشركات الإسبانية، شملت فتح الأسواق وتوريد غاز بأسعار تفضيلية، مقابل محاولات لإعادة ضبط الموقف الإسباني من قضايا المنطقة ومحاولة الضغط على المغرب في توقيتات ذات رمزية سياسية عالية، لا سيما قبيل المناسبات الوطنية المغربية مثل عيد العرش.
غير أن التقييم السياسي والاستخباري المغربي تابع هذه التفاهمات عن قرب رفع تقارير دقيقة إلى مراكز القرار العليا، مما أتاح للرباط التعامل مع الموقف ببثبات ودون الخضوع لابتزاز الورقة الحدودية، والتأكيد على أن المغرب ليس حارساً مجانياً لشيء، بل شريك استراتيجي يتعامل على أساس النظير والنظير والندية الكاملة.
التهديد الإيطالي بتعليق “شنغن” وموقف جورجيا ميلوني
على الجانب الأوروبي، فجرت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، مفاجأة سياسية أزمة الهجرة مدوية عقب تصاعد التردي الميداني في سبتة، حيث أعلنت عبر تصريحات رسمية على من منصة “إكس” (تويتر سابقاً) استعداد حكومتها لاتخاذ إجراءات استثنائية وبترية، في مقدمتها تعليق العمل باتفاقية “شنغن” للتنقل الحر مع إسبانيا.
واعتبرت ميلوني أن المشاهد القادمة من سبتة تعكس تشكيكاً واضحاً في قدرة الحكومة الإسبانية على حماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن استمرار تدفق الهجرة السائبة يشكل تهديداً أمنياً مباشراً لدول الأعضاء.
واللافت في الموقف الإيطالي أن ميلوني وجهت اللوم المباشر إلى مدريد وإدارتها للملف الحدودي، في حين تجنبت تحميل المغرب المسؤولية، لإدراك روما طبيعة التوازنات الإقليمية ودور شبكات الاتجار بالبشر والاستغلال السياسي للأزمات.
ملف شبكات الاتجار بالبشر والتحديات الأمنية الدولية
أعادت أزمة الهجرة في سبتة سلبيات ظاهرة الاتجار بالبشر وتدفقات القاصرين والشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي. فقد كشفت التحريات عن وجود مجموعات مغلقة عبر تطبيق “واتساب” وصفحات على “فيسبوك” جرى استخدامها لتنسيق ساعة الصفر والتحريض على الاقتحام الجماعي، واستغلال الخطاب السياسي الموجه لخلط الأوراق.
وتنظر الإدارات الأمنية الأوروبية والإيطالية بعين الخطورة إلى هذه الظواهر، حيث تتجاوز القضية مجرد “حركية هجرة تقليدية” لتلامس ملفات خطيرة تتعلق بالتنسيق بين شبكات تهريب البشر وعصابات ترافيك دولية تستغل ثغرات الحدود، وهو ما جعل روما تتجه لنفض يدها من التساهل الإسباني والمطالبة بإعادة ضبط صارمة لعمليات الترحيل والإرجاع المباشر للبلدان الأصلية.
العلاقات المغربية الأمريكية وضمانات التوازن السياسي
تتحرك الدبلوماسية المغربية فـي مواجهة هذه التحولات اعتماداً على علاقات وشراكات استراتيجية متينة، ولا سيما مع الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تعززت المكتسبات السياسية المغربية بالتواصل المباشر والتقدير المتبادل بين القيادة المغربية والإدارة الأمريكية، وهو ما يمنح الرباط هامش مناورة واسع وقوة تفاوضية في مواجهة التقلبات الإسبانية الداخية.
وفي المقابل، تعاني الحكومة الإسبانية الحالية من هشاشة في علاقاتها مع واشنطن وتباعد في الرؤى السياسية، مما يجعل مدريد في وضع تفاوضي أضعف عندما تشتد الأزمات الحدودية والسياسية مع المغرب، وتجد نفسها مضطرة للاستجابة للشروط والترتيبات الأمنية المغربية لضمان استقرار شريطها الجنوبي.
التحليل المستقبلي للتوازنات السياسية بين اليسار واليمين في إسبانيا
تشير القراءات السياسية للمشهد الإسباني الداخلي إلى أن سياسات حكومة سانشيز الحالية والاندفاع نحو صفقات غير محسومة قد تعجل أزمة الهجرة تحول السياسي لصالح حزب الشعب (PP) واليمين الإسباني فـي الاستحقاقات القادمة. وتعتمد القراءة المغربية في التعامل مع السياسة الإسبانية على مبدأ الواقعية السياسية (Pragmatism)؛ فاليمين الإسباني، رغم صرامته، يتعامل بمنطق المصالح المباشرة والأرقام والتجارة (Business to Business)، مما يقلل من المساحات الرمادية والمناورات الأيديولوجية التي يمارسها اليسار.
ويبقى السؤال المفتوح خلال الأيام المقبلة حول مدى استمرار إسبانيا في التزاماتها الأخيرة مع الجزائر، وهل ستضحي بمكاسبها الاستراتيجية والشراكة الأبدية مع المغرب من أجل صفقات غازية مؤقتة، أم أن الضغط الإيطالي والأمريكي والميداني المغربي سيجبر مدريد على مراجعة حساباتها والالتزام الكامل بمقتضيات الحكم الذاتي والشراكة الحدودية الصارمة؟
