“جينتيكس” (Gentex) … أعلنت شركة الأمريكية؛ العملاق العالمي المتخصص في تصنيع المرايا ذاتية التعتيم والمحتكر لأكثر من 85% من السوق الدولية، عن قرارها الاستراتيجي بتوسيع مواقع إنتاجها خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد مفاضلة دقيقة بين دول أوروبا الشرقية وشمال إفريقيا وفق معايير صارمة، وقع الاختيار على المغرب لاحتضان أول موقع إنتاجي لها، في خطوة تعكس التحولات الجيوسياسية الكبرى نحو “التوريد القريب” (Nearshoring).
جذور الهيمنة الأمريكية ودوافع التحول الاستراتيجي
تأسست شركة جينتيكس سنة 1974 وتتخذ من مدينة زيلاند بولاية ميشيغن مقراً لها، حيث تقارب مبيعاتها 2.3 مليار دولار (أرقام 2025).
وتعتمد الشركة على تقنية “الكهروكرومية” المعقدة، المدعومة بأكثر من 2300 براءة اختراع سارية حتى سنة 2046، مما ضمن لها الهيمنة المطلقة على قطاع مرايا السيارات الذكية عالمياً.
يعود السبب الرئيس لخروج الشركة من حدودها المحلية إلى ضغوط كبريات شركات صناعة السيارات الأوروبية، التي باتت تشترط تقليص مخاطر سلاسل التوريد والاقتراب جغرافيًا من الأسواق المستهدفة عقب أزمات كورونا ونقص الرقائق الإلكترونية.
لماذا تفوق المغرب على أوروبا الشرقية في استقطاب جينتيكس؟
درست جينتيكس مواقع بديلة في أوروبا الشرقية وشمال إفريقيا، واعتمدت على أربعة معايير حاسمة هي: الكلفة، وسولة الوصول التجاري، وجودة البنيه التحتية، والمخاطر الجيوسياسية.
وقد رجحت كفة المغرب بفضل عدة ركائز أساسية:
- منظومة صناعية متكاملة: حققت صادرات قطاع السيارات المغربي رقماً قياسياً بـ 17.4 مليار دولار، مدعومة بأكثر من 250 مورداً وطاقة إنتاجية قاربت مليون مركبة سنوياً بفضل مصانع رونو وستيلانتيس.
- الوصول التجاري الواسع: يتوفر المغرب على شبكة تضم أكثر من 50 اتفاقية تبادل حر تتيح الولوج إلى سوق يضم أكثر من مليار مستهلك.
- مناخ استثماري آمن: سجل الاستثمار الأجنبي المباشر صافي بلغ 23.32 مليار درهم حتى ماي 2026، بينما تجاوز الرصيد التراكمي للأستثمارات الأجنبية 8.8 مليار دولار وفق تقرير الأونكتاد.
- شهادات دولية موثوقة: صنفت منظمة التعاون والتنميه الاقتصادية (OECD) المغرب في المرتبة العاشرة عالمياً والثالثة إفريقياً في استقطاب الاستثمارات الخاصة الممولة تنموياً بمتوسط 1.5 مليار دولار سنوياً (2021-2024).
قراءة واقعية: أين نقف في سلسلة القيمة؟
في إطار الشفافية والابتعاد عن التضخيم، تجدر الإشارة إلى أن جينتيكس وقعت رسالة نوايا وحصلت على دعم حكومي لبدء الإنتاج المرتقب سنة 2028، دون الإعلان رسمياً بعد عن القيمة الدقيقة للاستثمار أو الموقع الجغرافي أو عدد مناصب الشغل المرتقبة.
في حين يبقى القلب التكنولوجي الحقيقي والسر الصناعي المتعلق بالمواد الكهروكرومية محمياً ببراءات الاختراع وممركزاً في المصانع الأم بالولايات المتحدة.
ويبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة المقاولات المحلية على الاندماج المستقبلي في سلاسل الإمداد لتقليص فاتورة الاستيراد.
