الرباط.. دعم الصحافة يعود بغلاف مالي أكبر وسط جدل حول فشل الإصلاح السابق
في قاعة بالرباط، أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، عن قرار مشترك يعيد صيغة دعم المقاولات الصحفية إلى شكلها السابق، لكن بغلاف مالي أكبر.
القرار، الذي تم بتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية، لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل يعكس تحولا في مقاربة الدولة لقطاع يعيش منذ سنوات على إيقاع أزمات متتالية: مالية، مهنية، وأخلاقية.السؤال الذي يطفو على السطح: هل نحن أمام تصحيح مسار؟
أم أمام اعتراف غير مباشر بأن الصيغة السابقة
للإصلاح لم تصمد أمام واقع السوق؟
بين المقاولات الكبرى والصغرى… فجوة تتسع
الوزير أرجع تأخر تفعيل القرار إلى عدم مواكبة بعض المقاولات المتوسطة والصغرى للمساطر، مقابل التزام المقاولات الكبرى بإيداع ملفاتها.
هذا المعطى يفتح نقاشاً أعمق حول بنية القطاع:
هل بات الدعم العمومي، رغم طابعه التضامني، يعيد إنتاج اختلالات السوق بدل معالجتها؟فالصحافة المغربية ليست كتلة واحدة؛ إنها فسيفساء من مؤسسات كبرى قادرة على الامتثال للشروط الإدارية، وأخرى صغيرة تكافح للبقاء وسط تكاليف مرتفعة ومداخيل إشهارية متراجعة.
ثلاثة ملايير سنتيم للحقوق المعنوية… تحول في الاعتراف بالصحفي
في خطوة وُصفت بأنها “مستجد قانوني”، أعلن الوزير تخصيص غلاف مالي يناهز ثلاثة ملايير سنتيم لفائدة الحقوق المعنوية للصحفيين، مع منح المقاولات الإعلامية التي تملك حق المؤلف نسبة 30 في المائة من هذا المبلغ.
هنا يتحول النقاش من دعم المقاولة إلى كرامة الصحفي.
فالتمييز بين “الراتب” و”الحق” لم يكن تفصيلاً لغوياً، بل رسالة سياسية: ما يُصرف ليس منحة اجتماعية، بل استحقاق مرتبط بالإنتاج الفكري.لكن هل يكفي الإطار القانوني لضمان وصول هذه الحقوق إلى أصحابها؟ أم أن التحدي الحقيقي يكمن في آليات التنفيذ والشفافية؟
المكتب المغربي لحقوق المؤلف… حلقة مركزية في المعادلة
الدعوة إلى الانخراط في المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة تعكس رغبة في إدماج الصحافة ضمن منظومة حقوق المؤلف، على غرار مجالات الإبداع الأخرى.
غير أن نجاح هذه الخطوة رهين بثقة الصحفيين والمؤسسات في جدوى المسطرة، وبقدرة المكتب على تدبير هذا التحول بكفاءة واستقلالية.
ما وراء الأرقام… أزمة ثقة أعمق
القطاع الصحفي في المغرب لا يواجه فقط تحديات التمويل، بل يواجه سؤال الثقة:
ثقة الجمهور في المضمون، وثقة الصحفي في مؤسسته، وثقة المقاولة في استدامة نموذجها الاقتصادي.العودة إلى “المنطق القديم” في الدعم قد تمنح جرعة أوكسجين مالية، لكنها لن تحل معضلة التحول الرقمي، ولا إشكاليات الحكامة، ولا هشاشة الوضعية الاجتماعية لعدد من الصحفيين.
بين الإصلاح والانتظار
قرار اليوم قد يشكل بداية مرحلة جديدة، أو مجرد هدنة في مسار إصلاح معقد.
ما هو مؤكد أن الصحافة، باعتبارها سلطة رمزية في المجتمع، لا يمكن أن تظل رهينة دعم ظرفي أو معادلات مالية ضيقة.المعادلة الحقيقية ليست فقط: كم سنصرف؟
بل: كيف نبني صحافة قوية، مستقلة،وقادرة على البقاء دون أن تتحول
إلى عبء دائم على المال العام؟
