صراع العمالقة … يشهد العالم اليوم صراع العمالقة بين واشنطن وباريس؛
حيث يعكس صراع العمالقة التنافس المحتدم على أسواق التسليح، بالذكاء الاصطناعي؛ شهدت الساحة الدولية خلال 48 ساعة فقط تحركات جيوسياسية وعسكرية مكثفة، تجلت في العرض المباشر الذي قدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 21 يوليوز 2026 لألمانيا للاندماج في منظومتي “سامب تي إن جي” (SAMP/T NG) وطائرات “الرافال” (Rafale)، مقدماً إياها كبديل سيادي أورو-بسيط لمنظومة “باتريوت” الأمريكية. ولم يتأخر الرد الأمريكي كثيراً،
حيث أعلن رئيس الأركان الأمريكي الجنرال دانكين، في 23 يوليوز 2026 ومن داخل مقر الكونغريس الأمريكي، لأول مرة وبشكل رسمي، عن نجاح مقاتلة F-16 أوجرانية في إسقاط مقاتلة روسية متطورة من طراز “سوخوي 35” في اشتباك جوي مباشر.
تطرح هذه التطورات السريعة والمتزامنة أسئلة جوهرية حول طبيعة الرسائل التجارية والعسكرية الموجهة للدول الحليفة التي تعيد بناء عقيدتها الدفاعية المستقبليّة، وعلى رأسها المملكة المغربية، التي خصصت نصيباً كبيراً من ميزانيتها الدفاعية لتحديث أسطولها الجوي عبر مقاتلات F-16 Block 70 Viper، وسط تساؤلات مستمرة حول منافسة الرافال الفرنسية وكيفية حماية الرباط لاستقلاليتها الدفاعية من فخ “الحدائق المصوّرة” (Walled Gardens).
صراع العمالقة بالذكاء الاصطناعي والتحول الميداني بالمختبر الأوكراني
لم تكن الحروب عبر التاريخ مجرد ساحات للمواجهة المباشرة بين الجيوش، بل كانت دائماً بمثابة مختبرات حقيقية واختبارات قتالية ميدانية تقيّم كفاءة الأسلحة وتغير موازين سوق التسليح العالمي.
وقد ظهر هذا التحول سابقاً في حرب الخليج عندما تحولت صواريخ “باتريوت” إلى أيقونة دولية، وفي حرب “ناغورنو كاراباخ” التي غيرت المفاهيم المرتبطة بالطائرات المسيرة التركية (Bayraktar).
واليوم، تشكل الحرب الأوكرانية أكبر مختبر عسكري وتكنولوجي مفتوح في العالم، حيث تتابع مراكز الأبحاث الدولية، مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بطلب من القوى الكبرى (واشنطن، باريس، برلين، وموسكو)، تقييم الأداء الميداني للأسلحة.
وتؤكد تقارير CSIS أن الدول لم تعد تكتفي بالخصائص النظرية المذكورة في كتيبات الشركات الموردة، بل باتت تبحث عن النتائج القتالية الميدانية الحقيقية تحت ظروف الحرب الشاملة.
صراع العمالقة بالذكاء الاصطناعي وإسقاط السوخوي رسالة للكونغريس
يكتسي إعلان الجنرال دانكين أمام أعضاء الكونغريس الأمريكي أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية؛ فالخبر لم يصدر عن شركة “لوكهيد مارتن” (Lockheed Martin) المصنعة لتصنيفه كدعابة إشهارية، ولا عن وسائل إعلام عادية، بل خرج من أعلى هرم المؤسسة العسكرية الأمريكية.
ويعكس توقيت هذا الإعلان احتدام المنافسة الاستراتيجية والتسويقية بين الصناعات الدفاعية الغربية، حيث يتحول كل انجاز قتالي ميداني إلى رسالة موجهة إلى متخذي القرار الدفاعي بالدول النامية والحليفة.
وفي الوقت الذي تسعى فيه فرنسا، عبر تحركاتها مع ألمانيا، لإبراز “الرافال” ومنظومة “سامب” كخيار دفاعي أوروبي سيادي ومستقل، قدمت واشنطن دليلاً ميدانياً قاطعاً على تفوق مقاتلتها الأكثر انتشاراً في العالم (F-16) ضد خصم روسي متطور.
وكما يرى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، فإن الحرب الحديثة سرعت من هذه المنافسة الاستراتيجية، وأصبح بموجبها تسويق السلاح يتم عبر النتائج الميدانية المباشرة لا عبر المعارض التجارية فقط.
صراع العمالقة بالذكاء الاصطناعي ومنظومات C2 والشبكات المدمجة
لم يقتصر التركيز الأمريكي على الأداء الفردي لمقاتلة F-16، بل تعداه إلى الإشادة بالمنظومة القتالية الشبكية المتكاملة (C2 / C4ISR).
وأكدت تقارير مؤسسة “راند” (RAND Corporation) والمعهد الملكي للخدمات الموحدة (RUSI) أن القيمة القتالية لأي منصة جوية لا تقاس بمفردها، بل بمدى تكاملها داخل شبكة معقدة تضم الأقمار الصناعية، رادارات الاكتشاف المبكر، أنظمة الحرب الإلكترونية، وتبادل البيانات اللحظي.
وأوضح معهد “ميتشيل للدراسات الفضائية والجوية” (Mitchell Institute) أن مستقبل القيادة والسيطرة (C2) يكمن في إيجاد صياغة قتالية موحدة ودمج الرادارات والمنصات الجوية في شبكة واحدة لإنشاء “صورة عملياتية موحدة” (Common Operating Picture).
ومن هذا المنظر، فإن إسقاط السوخوي 35 لم يكن مجرد تفوق فردي لطيار أو لمقاتلة، بل كان نجاحاً كاملاً لمنظومة القيادة والسيطرة الشبكية المتكاملة التي تدير المعركة الجوية.
صراع العمالقة بالذكاء الاصطناعي وفخ الحدائق المصورة الاستراتيجية
تتعدى صفقات السلاح الكبرى مجرد اقتناء هياكل معدنية أو محركات جوية، لتتحول إلى قرارات استراتيجية سيادية صراع العمالقة تمتد لـ 20 أو 30 سنة قادمة.
فعندما تختار دولة ما مقاتلة معينة، فإنها تختار ضمناً بروتوكولات التدريب، الذخائر الذكية، قطع الغيار، ومناهج التحديث البرمجي، بالإضافة إلى رفع مستوى “قابلية التشغيل المتبادل” (Interoperability) مع الدولة المصنعة.
ويُعرف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) هذا الوضع المترابط بـ “الحدائق المصوّرة” (Walled Gardens). فالمشتري لمقاتلات F-16 يجد نفسه ملزماً باستخدام نظام الربط التكتيكي المشفر (Link 16)، والذي يمثل الشبكة العسكرية الحصرية للأسلحة الأمريكية والأطلسية.
وتطبق فرنسا المنطق نفسه عبر المنظومة السحابية المدمجة التي تضم الرافال، صواريخ “أستر” (Aster)، ورادارات “جراوند فاير” (Ground Master/Fire 300) من شركة “ثاليس” (Thales)، مما يجعل الخروج من حديقة أي مورد أمراً معقداً ومكلفاً عملياتياً.
صراع العمالقة بالذكاء الاصطناعي والعقيدة الدفاعية الملكية المغربية
تتعامل القوات المسلحة الملكية المغربية مع هذا التنافس بوعي استراتيجي حذر لتفادي الوقوع في فخ المورد الواحد، حيث تبنت الرباط استراتيجية “الطبقات الدفاعية المتوازية” وتنويع مصادر التسليح للتوزيع الوقائي للمخاطر.
ويظهر هذا التنوع من خلال امتلاك المغرب لرادارات وصواريخ “ميكا” (MICA) الفرنسية، منظومة “براك ميكس” (BARAK MX) الإسرائيلية، المنظومات الدفاعية الصينية (Sky Dragon)، إلى جانب مقاتلات F-16 Viper الأمريكية الشديدة التطور.
وتتجلى هذه الفلسفة في المناورات الميدانية المشتركة، مثل تمرين “ماراثون 2025” الجوي بين القوات الملكية الجوية وسلاح الجو الفرنسي بين مدينتي بنجرير ومراكش، والذي عرف مشاركة 5 مقاتلات “رافال” وطائرة التزود بالوقود (A330 MRTT) إلى جانب 8 مقاتلات مغربية من طراز F-16 ومروحيات “البوما”.
ورغم أن هكذا تمارين تحقق تنسيقاً تكتيكياً ميدانياً، إلا أنها تعتمد على مسارات عمل متوازية تتفادى الدمج الشبكي المباشر المعتمد على شفرات الموردين المركزية، مما يضمن استمرارية الجاهزية القتالية حتى في حالات الأزمات السياسية أو انقطاع سلاسل الإمداد.
صراع العمالقة بالذكاء الاصطناعي وبناء برمجيات الربط السيادية 2026
يسعى المغرب إلى تجاوز صراع العمالقة و قيود الحدائق المصورة عبر الاستثمار المتواصل في بناء طبقة سيادية متقدمة للقيادة والسيطرة والاتصالات والحواسب (C4ISR).
وتستهدف هذه الرؤية الاستراتيجية تطوير برمجيات وسيطة سيادية تعمل كمترجم فوري قادر على فك الشفرات وتوحيد البيانات المنبعثة من رادار فرنسي، صاروخ صيني، ومقاتلة أمريكية، لإنشاء صورة عملياتية موحدة بجهود وإدارات محلية.
ورغم أن هذه الطبقة البرمجية تتطلب استثمارات مالية ضخمة وقدرات سيبرانية وهندسية عالية وتواجه ممانعة تقنية وتجارية من الدول المصنعة، إلا أنها تشكل الضمانة الوحيدة لتحقيق الاستقلالية الدفاعية الكاملة.
وفي غضون ذلك، يواصل المغرب تعميق شراكته الاستراتيجية مع واشنطن، خاصة عبر خريطة الطريق الدفاعية (2020-2030) ومناورات “الأسد الأفريقي”، بالتوازي مع الانفتاح الحذر على الخيارات الأورو-فرنسية، متصرفاً بعقلانية استراتيجية توازن بين مقتضيات التحالفات الدولية الكبرى وحماية السيادة الوطنية المطلقة.
