كاسبريس-ورزازات: إدريس اسلفتو
إرث يُباع على الطاولة
في قلب ورزازات، حيث تتقاطع الرمال مع الحكايات، يقف مطعم “ديمتري” كأحد أقدم الشواهد على تاريخ المدينة. لم يكن مجرد مطعم، بل محطة عبور لجنود، تجار، مسافرين، وعمال مناجم، حيث امتزجت نكهة القهوة برائحة التاريخ. اليوم، بعد قرن تقريبًا من تأسيسه، انتهى الفصل الأخير بقرار بيع المكان، وكأن الذاكرة الجماعية للمدينة عُرضت في مزاد علني.
ديمتري… مغامر يوناني صنع مدينة
في نونبر 1928، وصل شاب يوناني في الرابعة عشرة من عمره إلى الجنوب المغربي. ديمتري، الذي بدأ بمطعم صغير قرب “العمالة القديمة”، سرعان ما تحوّل إلى شخصية اقتصادية محورية. لم يكتفِ بالطعام، بل أسس محطة وقود، متجرًا، فندقًا، وحتى خدمات الهاتف، في زمن كانت فيه هذه البنى التحتية حلمًا بعيد المنال.
كان رجلًا يعرف كيف ينسج العلاقات، وكيف يحوّل ورزازات إلى واحة اقتصادية وحضارية، جاذبًا الأجانب للاستثمار ومساهمًا في بناء طرق وخدمات بريدية. علاقته بالقائد المقاوم عسو أوبسلام، حين وفّر له الماء والطعام بعد معركة بوكافر، أضافت بعدًا إنسانيًا نادرًا في تاريخ المدينة.من ذاكرة جماعية إلى ورقة بيع
بعد رحيل ديمتري عام 1991، واصل ابنه بيير إدارة الإرث، لكن مع حلول 2025، قرر بيع المطعم. هنا يطرح السؤال الصادم: كيف تُترك ذاكرة مدينة كاملة لتُباع كأي عقار تجاري؟ لماذا لم تتحرك السلطات لتحويل هذا المعلم إلى مركز ثقافي أو متحف يوثّق تاريخ ورزازات ويحتضن ندوات وفعاليات؟
مطعم ديمتري لم يكن مجرد مكان للذواقة، بل شاهدًا على تحولات اجتماعية واقتصادية، وعلى قصص مقاومة وإنسانية. بيعه ليس مجرد خسارة عقارية، بل تفريط في جزء من الهوية.
ورزازات… مدينة تبحث عن ذاتها
ورزازات، التي تُعرف عالميًا بـ”هوليوود إفريقيا”، تملك من التاريخ والذاكرة ما يتجاوز الاستوديوهات والأفلام. لكن السؤال يبقى: لماذا لا تستثمر المدينة في إرثها الحضاري كما تستثمر في صورتها السينمائية؟
إن تحويل مطعم ديمتري إلى متحف أو مركز ثقافي كان سيمنح ورزازات وجهة سياحية متكاملة، تعكس ثراءها الثقافي وتاريخها العميق، وتحوّل الذاكرة إلى قوة اقتصادية مستدامة.الخاتمة… ذاكرة للبيع أم مستقبل يُبنى؟
قصة ديمتري ليست مجرد حكاية رجل يوناني استقر في المغرب، بل قصة مدينة بأكملها. بيع المطعم هو بيع جزء من روح ورزازات، لكن الفرصة لا تزال قائمة. إذا اختارت السلطات والمجتمع المحلي أن يستثمروا في الماضي، يمكن أن يتحوّل هذا الإرث إلى مصدر إلهام للأجيال القادمة، بدل أن يبقى مجرد ذكرى تُروى في مقالات صحفية.
ورزازات اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تترك ذاكرتها تُباع قطعة قطعة، أو أن تعيد صياغتها كقوة حضارية واقتصادية تعكس هويتها الحقيقية.

ورزازات… مدينة تبحث عن ذاتها