مدرسة تحت الاختبار.. الأزمات لا تصنع الهشاشة بل تفضحها
في خلاصة صادمة، تؤكد دراسة صادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين أن الأزمات المتعاقبة — من جائحة كوفيد-19 إلى زلزال الحوز والفيضانات والتوترات الاجتماعية — لم تُحدث أعطاباً جديدة في المنظومة التربوية المغربية، بل كشفت هشاشات بنيوية كانت قائمة ومسكوتاً عنها.
المشكل، وفق الدراسة، لم يعد ظرفياً يُعالج بتعبئة آنية، بل هيكلي يتطلب إعادة بناء طريقة اشتغال المدرسة نفسها.
من كوفيد إلى الزلزال.. أعطاب تتكرر بأشكال مختلفة
الجائحة عرّت الفجوة الرقمية، وضعف جاهزية التعليم عن بعد، وارتهان المنظومة للحضور الفعلي.
زلزال الحوز كشف هشاشة البنيات التحتية وغياب ذاكرة مؤسساتية تستثمر دروس الأزمات السابقة.
الفيضانات أظهرت تفاوتات مجالية في الاستجابة، وصعوبات لوجستية في النقل والإيواء.
أما التوترات الاجتماعية الممتدة، فأبانت عن هشاشة الاستمرارية البيداغوجية أمام الإضرابات والانقطاعات الطويلة.القاسم المشترك: غياب نموذج مؤسساتي استباقي يضمن الحد الأدنى من التعلمات في كل الظروف.
توازن الحقوق.. لا كسرها
الدراسة تطرح معادلة دقيقة في فترات الإضراب:
التحدي ليس في تقييد الحقوق، بل في تحقيق توازن يحمي المصلحة الفضلى للطفل ويحفظ الكرامة المهنية للأساتذة.الصمود التربوي، بحسب التقرير، لا يتحقق بالشعارات، بل بحوار اجتماعي منظم، وآليات تدبير مسبقة، ومسؤولية مشتركة تمنع تحول كل أزمة إلى سنة ضائعة، خاصة للفئات الأكثر هشاشة.
الصمود ليس شعاراً.. بل هندسة مؤسساتية
التقرير يقترح مقاربة نسقية بثلاثة مستويات:
- الاستيعاب: ضمان الحد الأدنى من الاستمرارية أثناء الأزمة.
- التكيف: تعديل الوسائل والمضامين دون المساس بالأسس.
- التحول: إدماج الدروس المستخلصة لإحداث تغيير بنيوي دائم.
بمعنى آخر، الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.
المتعلم في القلب.. لا في الهامش
تضع الدراسة التلميذ في صلب المعادلة، معتبرة أن أي صمود فعلي يمر عبر مأسسة الإنصات إلى المتعلمين، وضمان مشاركتهم في القرارات التي تمس مساراتهم.
في المقابل، تسجل إشادة بالتزام الأساتذة وروح التضامن المجتمعي، لكنها لا تخفي اختلالات عميقة:
محدودية الحكامة الجهوية، ضعف التخطيط الترابي الدقيق، استمرار الفجوة الرقمية، وغياب ترصيد منهجي لتجارب الأزمات.
من إصلاح طموح إلى قدرة فعلية
تكشف الدراسة فجوة مقلقة بين طموحات الإصلاح المعلنة والقدرة الواقعية على تأمين التعلمات في سياقات مضطربة.
الاعتماد المفرط على المركزية، وضعف توقع المخاطر محلياً، يجعلان كل أزمة اختباراً مفاجئاً بدل أن تكون سيناريوً متوقعاً.الرسالة حاسمة:
الصمود التربوي ليس ترفاً إصلاحياً، بل شرط للاستقرار المجتمعي والعدالة المجالية والمصداقية المؤسساتية.
وكل انقطاع مدرسي مطوّل يترك أثراً صامتاً، لكنه عميق، في المسارات الفردية والجماعية.الاختيار اليوم واضح:
إما مدرسة تدبر الأزمات،
أو مدرسة تعيد بناء نفسها لتتجاوزها.
