إفريقيا تفرض نفسها
أكدت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، أن الانتقال الطاقي في المغرب أصبح رافعة استراتيجية لتعزيز الأمن الطاقي والتنمية الاقتصادية، مشددة خلال افتتاح اجتماع الربيع لمنتدى باريس للسلام 2026 بالرباط على أن المملكة تراهن على الطاقات المتجددة والمعادن الاستراتيجية لمواجهة التحولات العالمية المتسارعة، في وقت أعلنت فيه عن إطلاق مليون هكتار من التراخيص التعدينية واستثمارات ضخمة في قطاع الطاقة النظيفة.
وشددت الوزيرة على أن التجربة المغربية والإفريقية في مواجهة الأزمات المتلاحقة منحت القارة خبرة ميدانية حقيقية في إدارة الصدمات الاقتصادية والبيئية، وجعلتها أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الدولية المتسارعة.
ويأتي هذا اللقاء الدولي، المنظم بشراكة مع مجموعة OCP وبدعم من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، لمناقشة موضوع “التحولات المرنة”، في وقت يشهد فيه العالم تغيرات غير مسبوقة تمس الأمن الطاقي والاقتصادي والغذائي.
عالم يتغير بسرعة
أوضحت بنعلي أن السنوات الأخيرة اتسمت بتراكم أزمات عالمية كبرى، من الحروب الدولية وأزمات الطاقة إلى التوترات الجيوسياسية والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.
وأكدت أن أدوات القوة التقليدية تغيرت بشكل جذري، حيث أصبحت البيانات والتكنولوجيا والطائرات المسيّرة وشبكات التواصل الاجتماعي عناصر مؤثرة في صناعة القرار الدولي، ما يفرض على الدول تطوير قدراتها على الصمود والتأقلم.
وترى الوزيرة أن نجاح الانتقال الطاقي في المغرب يرتبط بقدرة المملكة على تحويل هذه التحديات إلى فرص اقتصادية واستثمارية مستدامة، بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية.
معركة المعادن
في واحدة من أبرز الرسائل التي حملها المنتدى، كشفت بنعلي أن العالم مقبل على طلب غير مسبوق على المعادن الاستراتيجية الضرورية للتحول الرقمي والطاقي.
وأكدت أن تلبية حاجيات الاقتصاد العالمي الجديد تتطلب استعمال أكثر من 42 نوعاً من المعادن الحيوية، مشيرة إلى أن البشرية ستكون مطالبة خلال العقود الثلاثة المقبلة باستخراج كميات من المعادن تعادل ما تم إنتاجه منذ بداية التاريخ الإنساني.
وأضافت أن الطلب العالمي على النحاس مرشح للارتفاع بنسبة 25 في المائة، فيما سيقفز الطلب على الكوبالت بنسبة 100 في المائة، وعلى الليثيوم بأكثر من 300 في المائة خلال السنوات المقبلة، بفعل التوسع المتواصل للطاقات المتجددة والبطاريات والسيارات الكهربائية ومراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
عقد جديد
واعتبرت المسؤولة الحكومية أن الانتقال الطاقي في المغرب لا يمكن اختزاله في بناء محطات للطاقة الشمسية أو الريحية فقط، بل يمثل تحولاً مجتمعياً واقتصادياً شاملاً.
وشددت على ضرورة إرساء عقد اجتماعي جديد يضمن حماية العمال وسلامة المجتمعات المحلية ويضع البعد الإنساني في صلب السياسات التعدينية، خاصة في ظل التوسع المتوقع للاستثمارات المرتبطة بالمعادن الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، استحضرت المبادرة المغربية التي أطلقت بمراكش سنة 2025، والتي جمعت أكثر من أربعين وزيراً إفريقياً للمناجم بهدف وضع إطار إفريقي موحد للمسؤولية الاجتماعية والبيئية داخل القطاع التعديني.
مليون هكتار
في إعلان وصفه متابعون بالخطوة الاستراتيجية الكبرى، كشفت بنعلي عن إطلاق طلب عروض عمومي يشمل مليون هكتار من التراخيص التعدينية بجهة درعة تافيلالت.
ويمثل هذا المشروع إحدى أكبر العمليات الاستثمارية في قطاع التعدين بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث يهدف إلى استقطاب الاستثمارات الوطنية والدولية وتسريع عمليات الاستكشاف والتنقيب.
كما أعلنت الوزيرة عن رقمنة السجل التعديني بشكل كامل عبر منصة رقمية موحدة تم إطلاقها خلال أبريل 2026، بهدف الحد من البيروقراطية وتعزيز الشفافية وتسهيل ولوج المستثمرين إلى المعلومات والخدمات الإدارية.
أرقام تاريخية
على مستوى الطاقة، كشفت بنعلي أن الانتقال الطاقي في المغرب حقق تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوزت المملكة رسمياً عتبة 45 في المائة من القدرة الكهربائية المنشأة من مصادر متجددة.
وأوضحت أن الحكومة تعمل حالياً على تطوير أكثر من 16 جيغاوات إضافية بحلول سنة 2030، باستثمارات تتجاوز 12 مليار دولار، في إطار رؤية وطنية تستهدف تعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية للخارج.
كما أبرزت أن الإصلاحات الجديدة المتعلقة بالإنتاج الذاتي والشبكات الدقيقة ستسمح للمواطنين والمقاولات بإنتاج الكهرباء من الألواح الشمسية وضخ الفائض في الشبكة الوطنية، ما يعزز ما وصفته بـ”الديمقراطية الطاقية”.
المغرب بوابة المستقبل
أكدت الوزيرة أن المغرب يرسخ موقعه كمنصة استراتيجية تربط إفريقيا بأوروبا في مجالات الغاز والكهرباء والخدمات اللوجستيكية.
واعتبرت أن الشراكات الدولية التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع فرنسا وعدد من الدول الإفريقية، تعكس نموذجاً جديداً للتعاون يقوم على الاستثمار المشترك ونقل التكنولوجيا والتكوين وخلق فرص الشغل، بدل الاقتصار على استغلال الموارد الطبيعية.
وفي ختام مداخلتها، شددت بنعلي على أن الانتقال الطاقي في المغرب لم يعد مجرد خيار تنموي، بل تحول إلى رهان استراتيجي يحدد مكانة المملكة في الاقتصاد العالمي الجديد، ويؤهلها لتكون فاعلاً رئيسياً في مستقبل الطاقة النظيفة والمعادن الاستراتيجية على المستوى القاري والدولي.
