الأمن الخاص… يطوي صفحة طويلة من الجدل؛ بالمغرب يدخل مرحلة جديدة بعد مصادقة البرلمان بغرفتيه بشكل نهائي على مشروع القانون رقم 032.26 المتعلق بتعديل وتتميم المادة 193 من مدونة الشغل،
في خطوة تشريعية وُصفت بالمهمة لتحديث الإطار القانوني المنظم لظروف عمل آلاف العاملين في شركات الحراسة والأمن عبر مختلف جهات المملكة.
ويأتي هذا التعديل في سياق التحولات التي عرفها قطاع الأمن الخاص خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبح يشكل أحد المكونات الأساسية في المنظومة الاقتصادية والخدماتية، سواء داخل المؤسسات العمومية أو الخاصة أو بالمراكز التجارية والمنشآت الحساسة.
الأمن الخاص ينهي استثناء 12 ساعة
وأوضح وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس سكوري، أن التعديل الجديد جاء استجابة للتغيرات الكبيرة التي شهدها قطاع الأمن الخاص خلال العقدين الماضيين، حيث توسعت مهام العاملين فيه بشكل ملحوظ وأصبحت أكثر تعقيداً ومسؤولية.
وأكد الوزير أن التصنيف السابق الذي كان يعتبر بعض مهام حراس الأمن ضمن الأعمال المتقطعة لم يعد يواكب الواقع المهني الحالي، خاصة مع تزايد متطلبات الحراسة والمراقبة ونقل الأموال وتأمين المؤسسات.
وبموجب القانون الجديد سيتم إلغاء المقتضيات التي كانت تسمح ببلوغ ساعات العمل 12 ساعة يومياً، وهو ما شكل لسنوات موضوع انتقادات من قبل العديد من المهنيين والفاعلين الاجتماعيين.
الأمن الخاص وساعات عمل أكثر إنصافاً
أحد أبرز مستجدات هذا الإصلاح يتمثل في إخضاع العاملين في الأمن الخاص للنظام العادي لساعات العمل المنصوص عليه في المادة 184 من مدونة الشغل.
ويُنتظر أن يساهم هذا الإجراء في تحسين ظروف العمل وضمان توازن أفضل بين الحياة المهنية والشخصية للعاملين، خصوصاً أن طبيعة مهام الحراسة تتطلب تركيزاً دائماً ويقظة مستمرة.
ويرى متابعون أن تقليص ساعات العمل قد ينعكس بشكل إيجابي على جودة الخدمات المقدمة، من خلال الحد من الإرهاق المهني وتحسين مردودية المستخدمين داخل مختلف مواقع العمل.
فرص شغل جديدة في الأفق
لا يقتصر أثر هذا التعديل على تحسين ظروف العاملين الحاليين فقط، بل من المرتقب أن يفتح الباب أمام فرص تشغيل إضافية.
فمع تقليص ساعات العمل اليومية، ستكون العديد من الشركات مطالبة بتعزيز مواردها البشرية لتغطية مختلف الفترات الزمنية المطلوبة، ما قد يساهم في خلق مناصب شغل جديدة داخل قطاع الأمن الخاص.
ويأتي هذا التوجه في انسجام مع السياسات العمومية الرامية إلى دعم التشغيل وتحسين جودة فرص العمل بالمملكة، خاصة في القطاعات التي تعرف نمواً متواصلاً.
الأمن الخاص يدخل مرحلة انتقالية
ولتفادي أي ارتباك في تنزيل المقتضيات الجديدة، نص القانون على فترة انتقالية تصل إلى تسعة أشهر بالنسبة لعقود العمل المبرمة قبل دخوله حيز التنفيذ.
وتهدف هذه المهلة إلى منح شركات الأمن الخاص الوقت الكافي لتسوية أوضاعها القانونية والإدارية وإعادة تنظيم جداول العمل بما يتوافق مع المقتضيات الجديدة.
ومن المنتظر أن يدخل القانون حيز التنفيذ مباشرة بعد نشره في الجريدة الرسمية، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من التأطير القانوني للقطاع.
انعكاسات اقتصادية
ومن المرتقب أن يساهم هذا الإصلاح في تعزيز جاذبية قطاع الأمن الخاص بالنسبة للمستثمرين والمؤسسات المستفيدة من خدمات الحراسة، وذلك من خلال إرساء قواعد أكثر وضوحاً في تدبير الموارد البشرية.
كما أن تحسين ظروف العمل من شأنه أن يرفع مستوى الاستقرار المهني ويقلص من معدل تغيير المستخدمين داخل الشركات، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة.
مطالب بمزيد من الإصلاح
ورغم الترحيب الواسع بهذه الخطوة، يرى عدد من المهنيين والفاعلين النقابيين أن قطاع الأمن الخاص ما يزال بحاجة إلى إصلاحات إضافية تتعلق بالتكوين المستمر والتغطية الاجتماعية وتحسين الأجور.
ويؤكد هؤلاء أن تطوير القطاع لا يقتصر فقط على تقليص ساعات العمل، بل يتطلب رؤية شاملة تضمن الكرامة المهنية وتثمين الدور الذي يقوم به العاملون في مجال الحراسة والأمن.
نحو مهنية أكبر
ويعتبر خبراء سوق الشغل أن التعديلات الجديدة تمثل محطة مهمة في مسار تحديث قطاع الأمن الخاص بالمغرب، خاصة في ظل تنامي الاعتماد على خدماته داخل المؤسسات العمومية والخاصة.
كما أن ملاءمة التشريعات الوطنية مع الممارسات المهنية الحديثة من شأنها أن تعزز تنافسية القطاع وتدعم مكانته كأحد المجالات الحيوية المساهمة في الاقتصاد الوطني.
إصلاح يعزز الحقوق
تعكس هذه الخطوة التشريعية إرادة واضحة لتقنين قطاع الأمن الخاص بشكل أكثر فعالية وملاءمة مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة.
كما تؤكد التعديلات الجديدة التوجه نحو تعزيز حماية حقوق الأجراء وتحسين ظروف العمل داخل القطاعات الحيوية، بما ينسجم مع المعايير المهنية الحديثة ويعزز الاستقرار الاجتماعي داخل سوق الشغل.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا الإصلاح سيبقى رهيناً بحسن تنزيله على أرض الواقع، ومدى التزام مختلف الفاعلين بتطبيق المقتضيات الجديدة بما يضمن التوازن بين مصالح الشركات وحقوق العاملين، ويجعل من قطاع الأمن الخاص نموذجاً مهنياً أكثر تنظيماً واستدامة خلال السنوات المقبلة.
