“صدمة العودة!“… مع انطلاق عملية “مرحبا 2026” وتوافد مئات الآلاف من أفراد الجالية المغربية نحو أرض الوطن،
عادت قضية أسعار السفر للمغاربة المقيمين بالخارج إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، بعدما تحولت تكاليف التنقل إلى هاجس حقيقي يثقل كاهل آلاف الأسر الراغبة في قضاء عطلتها الصيفية بالمغرب.
وبين ارتفاع أسعار تذاكر الطيران والنقل البحري وتراجع القدرة الشرائية في بلدان الإقامة، أصبحت العودة إلى الوطن بالنسبة للبعض حلما مؤجلا أو قرارا يحتاج إلى حسابات مالية دقيقة.
فواتير السفر تزداد ثقلا
يشكو العديد من المغاربة المقيمين بالخارج من الارتفاع المتواصل في أسعار السفر للمغاربة المقيمين بالخارج خلال موسم الصيف، وهو ما يجعل ميزانية العطلة تتضاعف سنة بعد أخرى.
وفي هذا السياق، أكد سالم فكير، الرئيس المؤسس لجمعية “كاب سود لمغاربة العالم”، أن الرحلات التي توفرها شركات النقل الوطنية، وعلى رأسها الخطوط الملكية المغربية، تبقى من بين أكثر الخيارات ملاءمة للجالية، غير أن أسعارها تظل مرتفعة بالنسبة لعدد كبير من الأسر.
وأوضح أن تكلفة رحلة عائلية نحو المغرب قد تتراوح بين 1500 و2000 يورو ذهابا وإيابا، وهو مبلغ أصبح يفوق إمكانيات العديد من الأسر التي تواجه ضغوطا مالية متزايدة في بلدان الإقامة.
الحجز المبكر ليس حلا للجميع
ورغم أن الحجز المسبق يظل من أبرز الوسائل التي تسمح بتقليص تكاليف السفر، إلا أن هذا الخيار لا يتوفر لجميع الأسر.
فالكثير من العائلات تجد نفسها أمام التزامات مالية أخرى مباشرة بعد انتهاء العطلة الصيفية، من بينها الضرائب المحلية والمصاريف الدراسية وأقساط السكن، ما يجعل تخصيص ميزانية مبكرة للعطلة المقبلة أمرا صعبا.
ويؤكد فكير أن بعض الأسر تضطر أحيانا إلى الاستدانة فقط من أجل الحفاظ على تقليد زيارة المغرب خلال فصل الصيف، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي أصبحت تفرضها أسعار السفر للمغاربة المقيمين بالخارج.
أسر تتخلى عن زيارة الوطن
الوجه الآخر لهذه الأزمة يتمثل في الأسر التي قررت التخلي عن فكرة السفر إلى المغرب خلال الصيف.
ومن بين هذه الحالات هدى الحقاك، الرئيسة السابقة لجمعية الصداقة الفرنسية المغربية، التي أكدت أنها لن تتمكن من زيارة المغرب هذا الصيف رفقة أسرتها المكونة من خمسة أفراد بسبب ارتفاع تكاليف السفر.
وأوضحت أن طبيعة عملها وعمل زوجها في قطاع التعليم تفرض عليهما السفر خلال العطلة الصيفية فقط، وهي الفترة التي تعرف أعلى الأسعار.
وأضافت أن الزيادات المتواصلة دفعت العديد من الأسر إلى البحث عن وجهات سياحية بديلة أقل تكلفة، وهو ما قد ينعكس سلبا على ارتباط الأجيال الجديدة بوطنها الأصلي.
الجالية بين الانتماء والإكراهات
لا ترتبط قضية أسعار السفر للمغاربة المقيمين بالخارج فقط بالجانب الاقتصادي، بل تحمل أبعادا اجتماعية وثقافية مهمة.
فزيارة المغرب بالنسبة لملايين المغاربة المقيمين بالخارج ليست مجرد عطلة موسمية، بل مناسبة للحفاظ على الروابط العائلية والثقافية وتعزيز ارتباط الأبناء بالهوية المغربية.
ويرى عدد من الفاعلين الجمعويين أن ارتفاع تكاليف السفر يهدد هذه العلاقة تدريجيا، خاصة بالنسبة للأجيال الثانية والثالثة التي قد تصبح زياراتها للمغرب متباعدة بفعل الإكراهات المالية.
مطالب بمراجعة أسعار النقل
في المقابل، يدعو عدد من ممثلي الجالية إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة تراعي خصوصية المغاربة المقيمين بالخارج، خصوصا خلال موسم الصيف.
ويعتبر سالم فكير أن شركات النقل الوطنية مطالبة بتقديم عروض أكثر تنافسية لفائدة الجالية، مشيرا إلى أن المغاربة المقيمين بالخارج يشكلون رافعة اقتصادية مهمة للمملكة، ويساهمون بشكل كبير في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تحويلاتهم المالية واستهلاكهم المحلي خلال فترات الإقامة بالمغرب.
وأضاف أن تخفيض أسعار السفر للمغاربة المقيمين بالخارج قد يساهم في رفع عدد الزيارات السنوية، وهو ما سينعكس إيجابا على الاقتصاد والسياحة والتجارة والخدمات داخل المملكة.
رهان اقتصادي واجتماعي
أمام هذا الواقع، يبدو أن إيجاد توازن بين مصالح شركات النقل وقدرات الأسر المغربية المقيمة بالخارج أصبح ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
فالجالية المغربية التي يناهز عددها ستة ملايين شخص تمثل قوة اقتصادية واجتماعية كبرى، والحفاظ على ارتباطها الدائم بالمغرب يمر أيضا عبر تسهيل شروط التنقل وضمان أسعار أكثر ملاءمة، بما يسمح للأسر بالعودة إلى وطنها دون أن تتحول العطلة الصيفية إلى عبء مالي ثقيل.
