كاسبريس: أمين دنون
حين تتحول الرباط إلى محراب صوفي: ليلة عيساوية تعيد للروح صوتها
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات الرقمية وتضيق فيه مساحات التأمل، تستعد New World Branding لتنظيم أمسية عيساوية بالرباط، مساء السبت 21، ابتداءً من العاشرة ليلاً، باحتضان من Rabat Marriott Hotel.
ليست مجرد سهرة فنية، بل محاولة واعية لإعادة الاعتبار للروح، عبر استحضار أحد أعمق تعبيرات التصوف المغربي.
الحاج سعيد برادة… حين يقود الصوت ذاكرة الجماعة
يقود الفنان الحاج سعيد برادة فرقة عيساوية في عرض يتجاوز الأداء الموسيقي إلى طقس وجداني كامل.
الأمداح النبوية، إيقاعات البندير، ونغمات الغيطة، ليست عناصر فرجوية فقط؛ إنها مفاتيح عبور نحو حالة جماعية من الصفاء، حيث تتقاطع الأصوات مع الذاكرة الروحية للمغاربة.في الحضرة العيساوية، لا يكون الجمهور متفرجًا باردًا، بل شريكًا في التجلي. الإيقاع يتصاعد، الأصوات تتوحد، والفضاء يتحول إلى دائرة ذكر تتكسر فيها المسافات بين المنشدين والحاضرين.
العيساوية… تراث يتحدى الاستهلاك الثقافي السريع
في سياق ثقافي تغلب عليه العروض السريعة والمنتجات الترفيهية الاستهلاكية، تبدو هذه الأمسية موقفًا ثقافيًا بقدر ما هي حدث فني.
تنتمي الطريقة العيساوية إلى عمق التصوف المغربي، حيث يمتزج الإنشاد بالذكر، والاحتفال بالخشوع، في معادلة فريدة صنعتها قرون من التراكم الروحي والاجتماعي.اختيار فضاء فندقي حديث لاحتضان طقس صوفي تقليدي ليس تفصيلًا عابرًا؛ إنه تعبير عن محاولة وصل الماضي بالحاضر، وإعادة تقديم التراث في قالب تنظيمي احترافي دون تفريغه من روحه.
الرباط… عاصمة الثقافة بين الحداثة والجذور
الرباط، التي تراهن على موقعها كعاصمة ثقافية، تجد في مثل هذه المبادرات فرصة لتأكيد أن الحداثة لا تعني القطيعة مع الجذور.
فالمدينة التي تحتضن مؤسسات الدولة والسفارات والمهرجانات الدولية، تعود في هذه الليلة إلى نبض البندير، كأنها تذكر نفسها بأن قوتها الرمزية لا تكتمل إلا بتوازنها بين الرسمي والروحي.
ما وراء الأمسية… استثمار في الذاكرة الجماعية
تسعى الجهة المنظمة إلى تعزيز حضور الفن التراثي الأصيل في الفضاء العمومي، ليس كفولكلور سياحي، بل كقيمة ثقافية حية.
فالرهان هنا لا يتعلق فقط بعدد الحضور، بل بقدرة الحدث على إعادة ربط الأجيال الشابة بتراثها، ومنح الفن الصوفي مساحة جديدة في مشهد ثقافي متغير.إنها ليلة توعد بالكثير من المشاعر الصادقة واللحظات التي تتجاوز حدود الترفيه، لتلامس سؤال الهوية والانتماء.
موعد مع التراث… في قلب مدينة لا تزال تبحث عن توازنها بين صخب العصر وهمس الروح.
