الشراكة الثنائية تدخل مرحلة جديدة بعد سنوات من الفتور
الشراكة الثنائية … بين المغرب وفرنسا دخلت، يوم الخميس 16 يوليوز 2026؛
مرحلة سياسية واقتصادية جديدة، عقب انعقاد الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى بالرباط، برئاسة مشتركة لرئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، والوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو.
الاجتماع لم يكن مجرد موعد بروتوكولي عادي بين حكومتين، بل شكل عودة فعلية لآلية سياسية ظلت مجمدة منذ آخر دورة انعقدت في دجنبر 2019، قبل أن تمر العلاقات بين الرباط وباريس بفترة طويلة من البرود والتوتر وتراجع الثقة.
وجاء الوفد الفرنسي إلى العاصمة المغربية بتمثيلية حكومية وازنة شملت وزراء مسؤولين عن قطاعات الداخلية والاقتصاد والمالية والصناعة والطاقة والفلاحة والنقل والثقافة والدفاع والذكاء الاصطناعي والتجارة الخارجية، إلى جانب مسؤولين آخرين، في مؤشر واضح على رغبة باريس في تنزيل التقارب السياسي الجديد على أرض الواقع.
وبحسب وزارة الخارجية الفرنسية، جرى خلال الاجتماع توقيع وعرض نحو عشرين اتفاقاً، فيما نشرت البوابة الرسمية للمملكة تفاصيل مجموعة من الاتفاقيات المتعلقة بالقطار فائق السرعة والماء والطيران المدني والتعليم والثقافة والبريد والبحث الزراعي والبنيات التحتية البحرية. (Maroc)
الشراكة الثنائية تنهي مرحلة أزمة الثقة
لم تبدأ الأزمة المغربية الفرنسية بقرار واحد أو حدث منفرد، بل كانت نتيجة تراكم مجموعة من الخلافات السياسية والدبلوماسية. فقد تزامنت مرحلة الفتور مع تقليص فرنسا تأشيرات الدخول الممنوحة للمواطنين المغاربة، واستمرار الغموض الفرنسي بشأن قضية الصحراء المغربية، فضلاً عن توترات إعلامية وسياسية أثرت في قنوات التواصل التقليدية بين البلدين.
وبالنسبة إلى الرباط، لم يعد ممكناً الحفاظ على علاقات استراتيجية عميقة مع دولة تتردد في اتخاذ موقف واضح من القضية الوطنية الأولى للمغرب، خصوصاً بعدما أعلنت الولايات المتحدة وعدد من الدول مواقف داعمة لسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية أو لمبادرة الحكم الذاتي.
في المقابل، أدركت باريس أن استمرار الأزمة لم يعد يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية. فالمغرب لم يتوقف خلال سنوات البرود عن تنويع شراكاته الدولية، بل وسع تعاونه مع الولايات المتحدة والصين وإسبانيا وبريطانيا ودول الخليج وشركاء آسيويين وأفارقة.
هذا التنويع قلص تدريجياً قدرة فرنسا على التعامل مع السوق المغربية باعتبارها مجالاً اقتصادياً شبه مضمون، وفرض عليها العودة بمنطق جديد يقوم على تقديم عروض أكثر تنافسية واحترام أولويات الرباط.
التحول الحاسم وقع خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، حين دخلت العلاقات مرحلة “الشراكة الاستثنائية المعززة”. وخلال تلك الزيارة أُعلن عن اتفاقات واستثمارات تزيد قيمتها على عشرة مليارات يورو، تركز على الطاقة الخضراء والبنيات التحتية والماء والصناعة والابتكار والتكوين والتوجه نحو إفريقيا. (elysee.fr)
الشراكة الثنائية تحول موقف الصحراء إلى تعاون ملموس
مثل الموقف الفرنسي الجديد من قضية الصحراء المغربية مفتاحاً أساسياً لتجاوز أزمة الثقة. فبعد سنوات من اللغة الدبلوماسية الحذرة، انتقلت باريس إلى دعم أكثر وضوحاً للمقترح المغربي للحكم الذاتي، وهو التحول الذي أعاد فتح الباب أمام التعاون الحكومي والاقتصادي.
غير أن المغرب لم يعد يكتفي بالمواقف السياسية المعلنة، بل أصبح يربط جودة الشراكات بمدى انعكاسها على التنمية والاستثمار ونقل التكنولوجيا وخلق فرص الشغل.
لهذا جاءت الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى لتختبر قدرة الطرفين على تحويل المصالحة السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ.
ومن بين أبرز الاتفاقيات الموقعة بروتوكول يؤكد تنفيذ تمويل برنامج الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، وقعه عن الجانب المغربي وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، وعن الجانب الفرنسي وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والطاقية والرقمية رولان ليسكور.
ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة، لأنه يندرج ضمن توسعة الشبكة السككية المغربية وربط عدد أكبر من المدن بمحور النقل السريع، بالتوازي مع المشاريع التي تسبق تنظيم كأس العالم 2030.
كما وقع الطرفان إعلاناً مشتركاً يستكمل بروتوكول التفاهم المتعلق بالشراكة في مجال الماء، ويوضح الالتزامات المتخذة في أكتوبر 2024 لدعم السياسة الوطنية للماء. (Maroc)
الشراكة الثنائية تضع الماء والنقل في صدارة الأولويات
اختيار قطاعي الماء والنقل لم يكن اعتباطياً. فالمغرب يواجه ضغطاً متزايداً على موارده المائية بسبب توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب المرتبط بالنمو السكاني والصناعي والفلاحي.
لذلك أصبحت مشاريع تحلية مياه البحر، وربط الأحواض المائية، وتقليص ضياع الماء، وتحديث شبكات التوزيع، من بين أهم الأوراش الاستراتيجية للدولة.
وتسعى فرنسا، عبر مؤسساتها التمويلية وشركاتها المتخصصة، إلى تعزيز حضورها في هذا المجال، غير أن نجاح هذه الشراكة سيقاس بقدرتها على تقديم حلول مستدامة ونقل الخبرة والتكنولوجيا، وليس فقط توفير القروض أو إنجاز المشاريع بواسطة شركات فرنسية.
وفي مجال النقل، وقع الجانبان خطة عمل تقنية تمتد من 2026 إلى 2028 لتعزيز التعاون في الطيران المدني، كما وُقعت شراكة بين المدرسة الوطنية العليا البحرية الفرنسية والمعهد العالي للدراسات البحرية بالمغرب، بهدف توسيع التبادل العلمي والبيداغوجي وتطوير تكوين الأطر البحرية.
ويمثل التكوين أحد العناصر المهمة في هذه الاتفاقيات، لأن المغرب يسعى إلى رفع كفاءة موارده البشرية بالتوازي مع تطوير الموانئ والمطارات والسكك الحديدية وسلاسل الصناعة والخدمات اللوجستية.
كما شملت الاتفاقيات تعاوناً في هندسة التربة والخبرة المرتبطة بالبنيات المينائية والمائية والبحرية بين المختبر العمومي للتجارب والدراسات بالمغرب ومركز الدراسات والخبرة الفرنسي المتخصص في المخاطر والبيئة والتنقل والتهيئة. (Maroc)
الشراكة الثنائية تمتد إلى التعليم والثقافة والبحث العلمي
لم تقتصر التفاهمات على المشاريع الاقتصادية، بل امتدت إلى قطاعات التعليم والثقافة والبحث العلمي.
فقد وقع الطرفان إعلان نوايا يتعلق بتدريس اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا في مؤسسات التعليم الفرنسي بالمغرب، بهدف تعزيز الكفاءة الثنائية لدى التلاميذ وربط التعليم بخصوصيات البلد المضيف.
وفي المجال الثقافي، تم توقيع إعلانات للتعاون في المبادلات الفنية والسينما والصورة المتحركة داخل القارة الإفريقية، إضافة إلى شراكة استراتيجية مع معهد العالم العربي لتطوير برامج ثقافية وفكرية ومواطنة.
ويكشف هذا المحور أن باريس تسعى كذلك إلى استعادة نفوذها الثقافي واللغوي في المغرب، في وقت أصبحت فيه اللغة الإنجليزية أكثر حضوراً داخل الجامعات والمقاولات والقطاعات الرقمية والتكنولوجية.
أما في المجال الفلاحي، فقد وُقع اتفاق إطار بين معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة والمركز الفرنسي للتعاون الدولي في البحوث الزراعية من أجل التنمية، يشمل الزراعة والطب البيطري والصيد البحري وتربية الأحياء المائية.
ويحمل هذا التعاون أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجهها الفلاحة بسبب التغيرات المناخية والإجهاد المائي والحاجة إلى تطوير بذور وتقنيات إنتاج أكثر قدرة على تحمل الجفاف. (Maroc)
الشراكة الثنائية تمهد لمعاهدة غير مسبوقة
أهم ما خرج به الاجتماع لا يتعلق فقط بالاتفاقيات الموقعة، بل بالمشروع السياسي الذي يجري التحضير له بين الرباط وباريس.
فقد أكدت الخارجية الفرنسية أن البلدين يناقشان إعداد معاهدة ثنائية واسعة، شبيهة بالمعاهدات الاستراتيجية التي تربط فرنسا بعدد من الدول الأوروبية.
ووفق التصريحات الرسمية الفرنسية، ستكون هذه أول معاهدة من هذا النوع توقعها باريس مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي، إذا انتهت المفاوضات إلى اتفاق نهائي.
وكانت وزارة الخارجية الفرنسية قد أعلنت في ماي 2026 أن العمل انطلق بشأن هذا المشروع، بالتزامن مع التحضير للاجتماع رفيع المستوى وزيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا. (France Diplomatie)
وتحمل هذه المعاهدة، في حال توقيعها، دلالة تتجاوز العلاقات الاقتصادية العادية، لأنها قد تؤسس لتنسيق أكثر انتظاماً في قضايا الأمن والدفاع والاستثمار والطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب والتعاون الإفريقي.
لكن مضمونها النهائي سيظل مرتبطاً بنتائج المفاوضات، وبقدرة الطرفين على تحديد التزامات متوازنة تحفظ لكل دولة سيادتها ومصالحها الاستراتيجية.
الشراكة الثنائية تعكس تغير موازين القوة
العودة الفرنسية القوية إلى المغرب لا يمكن تفسيرها فقط بالعلاقات التاريخية أو الثقافية. فالتحولات الاقتصادية والجيوسياسية دفعت باريس إلى إعادة تقييم موقع المغرب في سياستها الخارجية.
أول هذه التحولات هو التوسع الاقتصادي المغربي، وتحول المملكة إلى منصة صناعية في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والأسمدة والخدمات اللوجستية.
وثانيها الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030، والتي تفتح فرصاً كبيرة أمام شركات الهندسة والبناء والنقل والتجهيز والتكنولوجيا.
أما العامل الثالث فيرتبط بإفريقيا. فقد تراجع النفوذ الفرنسي في عدد من دول الساحل، بينما عزز المغرب حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في غرب القارة، وأطلق المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وهي مبادرة تشمل بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد. (France Diplomatie)
ومن هذا المنطلق، تنظر فرنسا إلى المغرب باعتباره شريكاً مستقراً وبوابة محتملة لإعادة بناء جزء من علاقاتها الإفريقية، لكن وفق قواعد الشراكة الثنائية جديدة تختلف عن نموذج النفوذ التقليدي.
وفي المقابل، يستفيد المغرب من التمويل والخبرة الصناعية والتقنية الفرنسية، مع الاحتفاظ بهامش مناورة أوسع بفضل تنوع شركائه الدوليين.
الشراكة الثنائية بين الندية ومخاطر العودة إلى التبعية
الحديث عن شراكة متوازنة لا يعني غياب المخاطر. فالقروض الموجهة إلى مشاريع البنية التحتية والماء والنقل تظل التزامات مالية يتعين سدادها، وقد تتحول إلى عبء إذا لم تنتج قيمة اقتصادية واجتماعية واضحة.
كما أن إسناد المشاريع الكبرى إلى شركات أجنبية دون فرض نسب مناسبة من الإدماج المحلي ونقل التكنولوجيا قد يجعل المغرب مجرد سوق للتجهيزات والخدمات.
لذلك يتعين تقييم الاتفاقيات على أساس معايير ملموسة، من بينها حجم الوظائف التي ستحدثها، ونسبة مشاركة المقاولات المغربية، ومستوى تكوين المهندسين والتقنيين، وحجم المكونات المصنعة محلياً، والقدرة على امتلاك المعرفة التقنية بعد انتهاء المشاريع.
الشراكة الندية لا تقاس بعدد الوزراء الحاضرين أو الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة كل طرف على الدفاع عن مصالحه دون أن يتحول التعاون إلى تبعية سياسية أو مالية أو تكنولوجية.
وقد منح تنويع المغرب لشركائه خلال السنوات الماضية المملكة موقعاً تفاوضياً أفضل، لأن باريس لم تعد الشريك الوحيد القادر على تمويل المشاريع أو توفير التكنولوجيا.
الشراكة الثنائية أمام اختبار التنفيذ
عودة الاجتماعات رفيعة المستوى وتوقيع الاتفاقيات الجديدة يمثلان بلا شك مؤشراً قوياً على انتهاء مرحلة القطيعة، لكن النجاح الحقيقي سيبدأ بعد مغادرة الوفود وقاعات التوقيع.
فالمطلوب هو نشر تفاصيل التمويلات الشراكة الثنائية، وتحديد آجال الإنجاز، ومراقبة تنفيذ الالتزامات، وضمان الشفافية في الصفقات، وربط كل مشروع بأهداف قابلة للقياس.
كما أن مشروع المعاهدة الثنائية المرتقبة يحتاج إلى نقاش مؤسساتي واضح يحدد مجالات التعاون وحدوده، ويضمن احترام المصالح الوطنية المغربية.
لقد عادت فرنسا إلى المغرب بثقل سياسي واقتصادي واضح، ليس فقط لأنها تريد إصلاح علاقة تاريخية، ولكن لأنها تدرك أن المملكة أصبحت فاعلاً إقليمياً يصعب تجاوزه في شمال إفريقيا وغربها.
وفي الوقت نفسه، يدرك المغرب أن الشراكة الثنائية مع فرنسا يمكن أن يمنحه تمويلاً وخبرة وأسواقاً إضافية، شرط أن يظل جزءاً من سياسة تنويع الشركاء وليس عودة إلى علاقة احتكارية قديمة.
الشراكة الثنائية.. هل بدأت فعلاً مرحلة الندية؟
تكشف الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى أن العلاقات بين البلدين تجاوزت مرحلة المصالحة الرمزية ودخلت مرحلة التنفيذ العملي الشراكة الثنائية.
غير أن الحكم النهائي على هذه العودة لن يكون بعدد الاتفاقيات أو بحجم الوفد الفرنسي، بل بما ستنتجه المشاريع من تنمية وفرص شغل ونقل للخبرة والتكنولوجيا.
المغرب اليوم يتفاوض من موقع أكثر قوة مقارنة بالماضي، وفرنسا تعود وهي مدركة أن السوق المغربية لم تعد حكراً عليها، وأن استمرار حضورها يمر عبر احترام الأولويات السيادية والاقتصادية للمملكة.
السؤال الذي سيظل مطروحاً خلال السنوات المقبلة هو ما إذا كانت هذه الدينامية ستؤسس لشراكة بين طرفين يحتاج كل منهما إلى الآخر، أم أنها ستعيد إنتاج علاقات قديمة في ثوب اقتصادي ودبلوماسي جديد؟.
