كاسبريس: أمين دنون
العنف السياسي… في صدارة النقاش؛ ضد النساء عاد بقوة إلى واجهة النقاش الحقوقي والتشريعي بالمغرب، بعدما دعت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، إلى جانب المنظمات النسائية الحزبية، إلى جعل مكافحة هذا النوع من العنف أولوية وطنية خلال الولاية التشريعية المقبلة، في ظل تصاعد الممارسات الرقمية والسياسية التي تستهدف النساء، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
وجاء ذلك خلال اللقاء التشاوري التنسيقي السنوي الثاني، الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء، بحضور ممثلات عن عدد من المنظمات النسائية الحزبية، حيث ناقش المشاركون مستقبل القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، ومدى قدرته على مواكبة التحولات الجديدة التي فرضها الفضاء الرقمي والممارسة السياسية.
العنف السياسي يفرض مراجعة القانون 103.13
وأكدت المداخلات أن السنوات التي أعقبت دخول القانون 103.13 حيز التنفيذ كشفت عن عدد من الإكراهات العملية والقانونية، خاصة مع بروز أشكال جديدة من العنف السياسي والعنف الرقمي لم تكن مطروحة بنفس الحدة عند إعداد النص القانوني.
وأبرزت المشاركات أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت فضاءً تتكاثر فيه حملات التشهير والابتزاز وخطابات الكراهية والتحريض، التي تستهدف الفاعلات السياسيات والمنتخبات والمرشحات والصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان، وهو ما يستوجب مراجعة تشريعية تواكب هذه التحولات وتحمي الحقوق الدستورية للنساء.
مذكرة ترافعية بمطالب واضحة
وشكل اللقاء مناسبة لتقديم المذكرة الترافعية التي أعدتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة بشأن تعديل القانون 103.13، حيث دار نقاش موسع بين مختلف المنظمات النسائية حول أولويات الإصلاح التشريعي، انطلاقاً من التجارب الميدانية والممارسة السياسية.
وأكدت المشاركات أن العنف السياسي لم يعد مجرد تصرفات فردية أو معزولة، بل تحول إلى أحد أبرز العراقيل التي تحد من المشاركة السياسية المتكافئة للنساء، لما يخلفه من آثار مباشرة على ولوجهن إلى مواقع القرار، واستمرارهن في تحمل المسؤوليات الحزبية والانتخابية، فضلاً عن تأثيره السلبي على ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.
العنف السياسي يهدد نزاهة الانتخابات
وشدد اللقاء على أن نزاهة الاستحقاقات التشريعية المقبلة لا ترتبط فقط بسلامة العمليات الانتخابية والإجراءات التنظيمية، وإنما تشمل أيضاً توفير بيئة سياسية آمنة تضمن حماية النساء من مختلف أشكال العنف السياسي والعنف الرقمي.
وترى المنظمات النسائية أن الحماية يجب أن تشمل جميع مراحل العملية الانتخابية، بداية من الترشح والحملات الانتخابية، مروراً بالتواصل عبر المنصات الرقمية، وصولاً إلى ممارسة المهام التمثيلية بعد الفوز بالمقاعد الانتخابية، بما يضمن تكافؤ الفرص واحترام مبدأ المساواة.
7 توصيات من أجل حماية النساء
وخلص اللقاء إلى مجموعة من التوصيات التي اعتبرها المشاركون ضرورية لتعزيز الحماية القانونية والمؤسساتية، من أبرزها جعل مراجعة القانون 103.13 ضمن أولويات الولاية التشريعية المقبلة، وتجريم العنف السياسي والعنف الرقمي بنصوص واضحة وتعريفات دقيقة، مع توفير آليات فعالة للإثبات والحماية والزجر.
كما دعت التوصيات إلى إدماج مكافحة العنف السياسي ضد النساء ضمن البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، واعتماد سياسات داخلية لحماية النساء داخل التنظيمات الحزبية، إلى جانب إحداث آليات وطنية لرصد وتوثيق هذه الظاهرة وإصدار تقارير دورية حول تطورها.
وأكد المشاركون أيضاً أهمية تعزيز التنسيق بين البرلمان والحكومة والسلطة القضائية والمؤسسات الدستورية والمجتمع المدني، مع توفير حماية خاصة للنساء المرشحات والمنتخبات والقيادات الحزبية، واعتماد مقاربة تشاركية عند إعداد التعديلات القانونية المرتقبة.
القانون 103.13 بين المكتسبات وحدود التطبيق
ورغم أن القانون رقم 103.13 شكل عند اعتماده خطوة مهمة في مسار تعزيز الحماية القانونية للنساء بالمغرب، من خلال تجريم عدد من الأفعال المرتبطة بالعنف وإقرار آليات للتكفل بالضحايا، فإن الممارسة العملية أبانت عن وجود ثغرات قانونية لم تعد تستجيب للتطورات المتسارعة التي يعرفها المجتمع، خصوصاً مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي ودخول الفضاء الرقمي بقوة في الحياة السياسية.
فالنص القانوني، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2018، لم يتضمن مقتضيات صريحة تعالج العنف السياسي والعنف الرقمي باعتبارهما ظاهرتين مستقلتين، وهو ما جعل العديد من الفاعلين الحقوقيين والجمعيات النسائية يدعون إلى تحديث مقتضياته حتى يواكب التحديات الجديدة التي تواجه النساء داخل الفضاءين السياسي والرقمي.
تعديل القانون يواكب التحولات الجديدة
وترى المنظمات النسائية أن تعديل القانون 103.13 لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل أصبح ضرورة تشريعية تفرضها التحولات التي يعرفها المغرب، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالمطلوب، حسب المذكرة الترافعية، هو إدراج تعريف قانوني واضح لـ العنف السياسي والعنف الرقمي، مع التنصيص على عقوبات رادعة وآليات فعالة للإثبات والحماية،
بما يضمن بيئة سياسية آمنة تشجع النساء على خوض غمار العمل الحزبي والانتخابي دون خوف من حملات التشهير أو الابتزاز أو خطاب الكراهية. كما أن هذه التعديلات من شأنها تعزيز الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ممارسة الحقوق السياسية التي يكفلها دستور المملكة.
رسالة قبل الاستحقاقات المقبلة
وفي ختام اللقاء، جددت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة والمنظمات النسائية الحزبية التزامها بمواصلة التنسيق والترافع المشترك من أجل إخراج تعديل متقدم للقانون 103.13، يستجيب للتحولات التي يعرفها المغرب، ويعزز الحماية الفعلية للنساء من مختلف أشكال العنف، وعلى رأسها العنف السياسي والعنف الرقمي.
وأكدت أن نجاح المسار الديمقراطي يمر عبر ضمان مشاركة النساء في الحياة العامة على قدم المساواة، وتوفير بيئة قانونية ومؤسساتية تكفل لهن ممارسة حقوقهن السياسية بعيداً عن كل أشكال الترهيب أو التشهير أو الإقصاء، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبادئ دولة الحق والقانون.
