توبقال.. عندما تتغير قواعد القوة في العالم
توبقال لم يعد مجرد اسم لجبل مغربي أو لحاسوب فائق السرعة، بل أصبح عنواناً لتحول أوسع في طبيعة القوة العلمية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين. فالدول لم تعد تقيس قدراتها فقط بعدد الجنود والطائرات والدبابات والأسلحة، وإنما أصبحت التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي ومراكز الحوسبة من العناصر التي تدخل بشكل متزايد في حسابات القوة والتنافس الدولي.
وفي هذا السياق، يبرز الحاسوب الخارق Toubkal الموجود بمدينة بنجرير داخل منظومة جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، باعتباره أحد أبرز مشاريع الحوسبة عالية الأداء في المغرب. وقد جرى تشغيل النظام في 2021، فيما تشير قاعدة TOP500 إلى أن أداءه المقاس يبلغ 3.16 بيتافلوبس، مقابل قدرة نظرية قصوى تصل إلى 5.01 بيتافلوبس.
لكن أهمية Toubkal لا تختصر في الرقم وحده. فالقيمة الحقيقية للحوسبة الفائقة تظهر عندما تتحول هذه القدرة الحسابية إلى أبحاث ونماذج علمية تساعد على فهم مشكلات معقدة في المناخ والطاقة والفلاحة والعلوم والهندسة وغيرها.
توبقال.. من بنجرير إلى سباق الحوسبة الفائقة
اختيار بنجرير لاحتضان هذا النوع من البنية التكنولوجية ليس تفصيلاً ثانوياً. فقد أصبح الموقع جزءاً من منظومة بحثية تقودها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، التي تستثمر في مجالات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة والعلوم والهندسة.
وتوضح منصة Toubkal الرسمية أن النظام يوجد في جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير، وأن اسمه مستوحى من جبل توبقال، أعلى قمة في جبال الأطلس بالمغرب. كما تشير المنصة إلى أن النظام كان قد احتل المرتبة 98 عالمياً في قائمة TOP500 سنة 2020، وهو ما يعكس حجم الطموح الذي رافق إطلاق المشروع.
غير أن قراءة وضع Toubkal اليوم تحتاج إلى وضع الأرقام في سياقها الزمني. ففي قائمة TOP500 لشهر يونيو 2026، جاء النظام في المرتبة 409 عالمياً بأداء مقاس يبلغ 3.16 بيتافلوبس.
وهذا يعني أن تقديمه حالياً باعتباره «أقوى حاسوب خارق في إفريقيا» سيكون غير دقيق إذا لم يتم تحديد الفترة الزمنية. ففي القائمة نفسها، يظهر نظام Cassava AI Factory في جنوب إفريقيا في المرتبة 36 عالمياً، بأداء 77.79 بيتافلوبس، أي بفارق كبير عن Toubkal.
وبالتالي، فإن الوصف الأكثر دقة في 2026 هو أن Toubkal يمثل واحداً من أبرز أنظمة الحوسبة الفائقة في إفريقيا والمغرب، وليس النظام الأقوى في القارة حالياً.
توبقال.. ماذا يعني رقم 3.16 بيتافلوبس؟
قد يبدو رقم 3.16 بيتافلوبس مجرد رقم تقني صعب الفهم بالنسبة إلى القارئ العادي، لكنه يعبر عن قدرة حاسوبية هائلة مخصصة لتنفيذ عمليات حسابية معقدة في وقت قصير.
وتفرق المعايير التقنية بين الأداء المقاس فعلياً والأداء النظري. وتضع قاعدة TOP500 أداء Toubkal المقاس عند 3.16 بيتافلوبس، بينما تبلغ قدرته النظرية القصوى 5.01 بيتافلوبس. ويضم النظام 71,232 نواة وفق بيانات القائمة.
وفي ورقة علمية منشورة في The Journal of Supercomputing، جرى وصف البنية الحاسوبية للنظام بالتفصيل، مع الإشارة إلى 1272 عقدة للحوسبة، وعقد عالية الذاكرة، إضافة إلى أقسام تعتمد على وحدات معالجة رسومية، وتخزين يبلغ 8 بيتابايت. كما تؤكد الدراسة أن النظام حافظ على أداء يبلغ 3.16 بيتافلوبس.
لكن قوة الحاسوب لا تقاس فقط بعدد العمليات التي يستطيع تنفيذها. السؤال الأهم هو: ماذا يفعل المغرب بهذه القدرة؟
توبقال.. الجفاف والفلاحة في قلب البحث العلمي
يملك المغرب تجربة طويلة مع تأثيرات الجفاف وندرة المياه والتقلبات المناخية. لذلك تبدو الحوسبة الفائقة ذات أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر ببناء نماذج علمية قادرة على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات.
وهنا توجد إحدى النقاط الأكثر أهمية في تجربة Toubkal. فالدراسة العلمية المنشورة حول النظام تشير إلى استخدامه في مجالات من بينها التعلم الآلي للتنبؤ بالطقس، والاختيار الجيني لأصناف زراعية أكثر قدرة على مقاومة الجفاف، ودراسة ديناميات السواحل.
هذه التطبيقات لا تعني أن الحاسوب يجلس مكان الباحث أو الفلاح ليصدر له تعليمات مباشرة حول ما يجب زرعه أو موعد الري. هذه صياغة مبالغ فيها لا تدعمها المصادر التي تمت مراجعتها.
الأدق هو القول إن الحوسبة الفائقة تمنح الباحثين قدرة أكبر على معالجة البيانات وبناء النماذج ومحاكاة سيناريوهات مختلفة، وهو ما يمكن أن يساعد لاحقاً في تحسين القرارات المرتبطة بالمناخ والزراعة وإدارة الموارد.
وهنا تظهر قيمة التكنولوجيا: ليست في أن تحل محل الإنسان، وإنما في أن تمنحه أدوات أكثر دقة لفهم المشكلات واتخاذ القرار.
توبقال.. من البيانات إلى الأمن الغذائي
الأمن الغذائي أصبح مرتبطاً بشكل متزايد بالقدرة على إنتاج المعرفة. فمع تغير المناخ وارتفاع الضغط على الموارد المائية، لم يعد السؤال فقط هو كيف نزرع أكثر، وإنما كيف نزرع بطريقة أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للماء والطاقة.
يمكن للحوسبة عالية الأداء أن تساهم في هذا المسار عبر معالجة بيانات مناخية وزراعية واسعة، واختبار نماذج مختلفة، ودراسة تأثيرات الحرارة والجفاف والظروف البيئية على المحاصيل.
لكن يجب الفصل بين الإمكان العلمي وبين النتيجة الميدانية المؤكدة.
فلا توجد في المصادر التي تم التحقق منها أدلة تسمح بالقول إن Toubkal يضاعف الإنتاج الزراعي ثلاث مرات، أو أنه يقرر بشكل مباشر للفلاح نوع المحصول وكمية المياه التي يجب استعمالها. لذلك فإن إدراج هذه العبارات في مقال صحفي باعتبارها حقائق سيكون مخالفاً للمعايير المهنية.
أما الحديث عن استخدام الحوسبة في تطوير نماذج مرتبطة بالمناخ والزراعة ومقاومة الجفاف، فهو مدعوم علمياً.
توبقال.. الصحة والبحث عن حلول علمية أسرع
قطاع الصحة يمثل مجالاً آخر يمكن أن تستفيد فيه الدول من قدرات الحوسبة الفائقة. فالأبحاث الطبية الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على تحليل كميات ضخمة من البيانات، والنمذجة والمحاكاة، والذكاء الاصطناعي.
وتشير منصة Toubkal الرسمية إلى أن الحواسيب الخارقة يمكن استخدامها في مجالات متعددة، بينها التنبؤ بالطقس، وتحليل المناخ، والبحث في الفضاء، والطاقة، والصناعات الدوائية والرعاية الصحية، والفيزياء والمواد والذكاء الاصطناعي.
لكن من الضروري هنا أيضاً تجنب المبالغة.
Toubkal لا «يصنع الأدوية» بنفسه، كما أن وجود حاسوب فائق لا يعني تلقائياً امتلاك منظومة دوائية مكتفية ذاتياً. دوره يمكن أن يكون في دعم الباحثين من خلال المحاكاة وتحليل البيانات والنمذجة وتسريع بعض مراحل البحث العلمي.
وهذا الفرق مهم جداً، لأن الصحافة العلمية الناجحة لا تخلط بين الأداة والنتيجة.
توبقال.. الأمن السيبراني والسيادة الرقمية
مع توسع الاعتماد على البيانات والأنظمة الرقمية، أصبحت حماية البنية التكنولوجية جزءاً من الأمن الوطني للدول. وتطرح المنصة الرسمية لـToubkal الأمن والتشفير ضمن المجالات التي يمكن أن تستفيد من قدرات الحوسبة الفائقة.
لكن ذلك لا يعني أن Toubkal مخصص لحماية أسرار الدولة أو الجيش من التجسس، ولا توجد في المصادر التي تم التحقق منها أدلة كافية تسمح بنشر هذا الادعاء بهذه الصيغة.
الأصح هو وضع الموضوع ضمن الإطار الأوسع: امتلاك بنية تحتية وطنية للحوسبة عالية الأداء يساهم في بناء القدرات العلمية والتقنية المحلية، ويمنح الباحثين والمؤسسات منصة لمعالجة مسائل حوسبية متقدمة داخل بيئة محلية.
ومن هنا تأتي فكرة السيادة الرقمية، التي لا تعني فقط امتلاك خوادم، بل القدرة على تطوير المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية والموارد البشرية المرتبطة بها.
توبقال.. لماذا لا يكفي امتلاك حاسوب قوي؟
امتلاك حاسوب خارق لا يجعل الدولة تلقائياً قوة تكنولوجية. فالقوة الحقيقية تبدأ عندما توجد منظومة متكاملة تضم الجامعات والباحثين والمهندسين والشركات والبيانات والتمويل والتكوين.
ولهذا فإن قيمة Toubkal لا ينبغي أن تقاس فقط بموقعه في TOP500. التصنيف مهم، لأنه يعطي معياراً تقنياً للمقارنة، لكنه لا يقيس وحده الأثر الاقتصادي والعلمي والاجتماعي للحوسبة.
وتشير الدراسة العلمية حول النظام إلى أن عدد المستخدمين النشطين تضاعف سنوياً منذ 2023، مع توسع المشاركة لتشمل باحثين من إفريقيا جنوب الصحراء ومؤسسات دولية.
وهذا الجانب ربما يكون أكثر أهمية على المدى الطويل: بناء مجتمع علمي قادر على استخدام هذه البنية التحتية وتحويل القدرة الحسابية إلى أبحاث وابتكارات.
توبقال.. الطاقة النظيفة تفتح سؤال الاستدامة
الحوسبة الفائقة تستهلك كميات مهمة من الطاقة، ولذلك أصبحت الكفاءة الطاقية جزءاً من النقاش حول مستقبل مراكز البيانات.
وتشير الدراسة العلمية المنشورة حول Toubkal إلى وجود محطة شمسية بقدرة 1 ميغاواط-ذروة مرتبطة بالموقع، كما سجل النظام كفاءة طاقية بلغت 4.18 غيغافلوبس لكل واط في القياس الذي أُدخل إلى Green500 لسنة 2025.
وتقدم هذه المعطيات جانباً آخر من المشروع، يتعلق بمحاولة الجمع بين الحوسبة عالية الأداء والاستدامة الطاقية.
ومع التوسع العالمي في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، سيصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن للدول أن تبني قدرات رقمية كبيرة من دون أن تتحول فاتورة الطاقة إلى عائق أمامها؟
توبقال.. المغرب أمام مرحلة جديدة من القوة العلمية
فالمغرب الذي ظل اسمه يرتبط دولياً بالفلاحة والسياحة والفوسفاط والصناعة، يطور في الوقت نفسه منظومات جديدة في التكنولوجيا والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي والحوسبة.
ولا يعني ذلك أن الموارد التقليدية فقدت أهميتها. بل العكس، فالتكنولوجيا يمكن أن تصبح أداة لتطوير هذه القطاعات نفسها، من خلال تحسين إدارة المياه، ودعم البحث الزراعي، وتطوير الصناعة، وتحليل البيانات، وبناء نماذج أكثر دقة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى Toubkal كجزء من بنية تحتية علمية أوسع، وليس كمشروع منفصل عن الاقتصاد والمجتمع.
توبقال.. ما الذي يجب أن ننتظره مستقبلاً؟
التحدي المقبل لا يتعلق فقط بزيادة سرعة الحواسيب. العالم يتجه نحو أنظمة أكبر وأكثر اعتماداً على وحدات معالجة متقدمة، خصوصاً مع الطفرة التي يعرفها الذكاء الاصطناعي.
وهذه الأرقام تضع تجربة Toubkal أمام سؤال جديد: كيف يحافظ المغرب على موقعه العلمي والتكنولوجي في قارة تشهد دخول أنظمة حوسبة جديدة وأكثر قوة؟
الجواب لن يكون بالضرورة في المنافسة على الرقم فقط. الأهم هو تطوير الاستخدامات، وتكوين الباحثين، وربط الحوسبة بالاقتصاد، وتحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار.
