“شركة لاسامير“… تعود إلى الواجهة؛ عاد ملف شركة لاسامير إلى صدارة النقاش العمومي بالمغرب بعد تصويت الأغلبية بمجلس المستشارين ضد مقترح قانون يروم تفويت أصول الشركة للدولة، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى إعادة تشغيل المصفاة الوطنية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للأمن الطاقي الوطني.
ويأتي هذا الجدل في سياق يتسم بتقلبات أسواق الطاقة العالمية واستمرار النقاش حول أسعار المحروقات وتأثيرها المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين وتنافسية الاقتصاد الوطني.
جدل يتجدد
ويتمحور النقاش الحالي حول مستقبل شركة لاسامير بين من يدافع عن خيار تفويت أصولها إلى الدولة باعتباره حلاً قانونياً ومالياً واقعياً، وبين من يرى أن التأميم المرحلي قد يشكل المدخل الأنسب لإنقاذ هذا الأصل الصناعي الاستراتيجي وإعادة إدماجه في الدورة الاقتصادية الوطنية.
ويرى متابعون أن الملف تجاوز بعده الصناعي ليصبح مرتبطاً بقضايا السيادة الطاقية والأمن الاقتصادي، خاصة في ظل الاعتماد شبه الكامل على استيراد المنتجات النفطية المكررة من الخارج.
التفويت للدولة
عبد الغني الراقي، الكاتب العام للجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، اعتبر أن النقاش لا يتعلق بالتأميم بصيغته التقليدية، بل بآلية قانونية تقوم على تفويت أصول شركة لاسامير إلى الدولة استناداً إلى وضعية المديونية الحالية.
وأوضح أن نحو 82 في المائة من ديون الشركة تعود لمؤسسات عمومية، ما يجعل الدولة الدائن الأكبر بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر الذي يسمح بتفعيل آليات المقاصة وتحويل جزء من هذه الديون إلى ملكية فعلية للأصول.
وأضاف أن الشركة ما تزال معروضة للبيع بقرار قضائي، غير أن العروض السابقة لم تفض إلى إتمام عملية التفويت، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام حلول جديدة قد يكون من بينها دخول الدولة كمقتنٍ رئيسي للمصفاة.
السيادة الطاقية أولا
ويؤكد المدافعون عن هذا التوجه أن شركة لاسامير لا تمثل مجرد منشأة صناعية، بل تشكل جزءاً أساسياً من منظومة السيادة الطاقية للمملكة، خصوصاً في ظل الأزمات الدولية المتكررة التي تؤثر على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة.
كما يشير هؤلاء إلى أن استعادة نشاط التكرير محلياً قد يساهم في تقليص بعض التكاليف المرتبطة باستيراد المواد المكررة، ويمنح المغرب هامشاً أكبر في تدبير احتياطاته الطاقية بشكل مستقل.
التأميم المرحلي
في المقابل، يرى إدريس الفينة، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز المستقبل للتحليلات الاستراتيجية، أن ملف شركة لاسامير يندرج ضمن تحولات عرفتها السياسات الاقتصادية العالمية بين التأميم والخصخصة.
وأوضح أن العديد من الدول عادت خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز حضور الدولة في القطاعات الاستراتيجية، بعدما أظهرت بعض التجارب محدودية قدرة القطاع الخاص على ضمان استمرارية عدد من الأنشطة الحيوية.
ويقترح الفينة اعتماد مقاربة تقوم على التأميم المرحلي للمصفاة بهدف إعادة تأهيلها وتشغيلها من جديد، قبل الانتقال لاحقاً إلى فتح رأسمالها بشكل جزئي أمام مستثمرين خواص لضمان النجاعة وتحسين الحكامة.
رهان اقتصادي واعد
ويرى عدد من الخبراء أن إعادة تشغيل شركة لاسامير يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية مهمة للمغرب، ليس فقط من خلال تعزيز الأمن الطاقي، بل أيضاً عبر خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة وتحريك مجموعة من الأنشطة الصناعية واللوجستية المرتبطة بقطاع الطاقة.
كما أن عودة المصفاة إلى الإنتاج قد تمنح الاقتصاد الوطني مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية وتحديات التزود بالمحروقات، وهو ما يجعل الملف يتجاوز البعد التقني ليصبح رهاناً اقتصادياً واستراتيجياً طويل الأمد.
انعكاسات مباشرة على سوق المحروقات
ويرى متابعون أن مستقبل شركة لاسامير لا يرتبط فقط بإعادة تشغيل منشأة صناعية متوقفة، بل يمتد تأثيره إلى سوق المحروقات الوطنية ككل.
فوجود مصفاة وطنية قادرة على تكرير جزء مهم من حاجيات المملكة من المنتجات البترولية من شأنه أن يعزز مرونة السوق الداخلية ويحد من تأثير التقلبات الدولية على الأسعار.
كما أن توفر قدرات وطنية للتكرير والتخزين يمكن أن يمنح المغرب هامشاً أكبر في تدبير احتياطاته الاستراتيجية، خاصة في الفترات التي تعرف اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية أو ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة.
رهان استراتيجي للمستقبل
ويجمع عدد من الخبراء على أن ملف شركة لاسامير أصبح اليوم اختباراً حقيقياً لقدرة المغرب على التوفيق بين متطلبات النجاعة الاقتصادية والحفاظ على الأصول الاستراتيجية ذات الصلة بالأمن الطاقي.
فسواء تم اعتماد خيار التفويت للدولة أو التأميم المرحلي أو أي صيغة أخرى، فإن الرهان الأساسي يبقى هو إعادة استثمار هذا الأصل الصناعي بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز تنافسية الاقتصاد المغربي.
كما أن نجاح أي حل مستقبلي سيتطلب رؤية واضحة تضمن الاستدامة المالية والحكامة الجيدة وتفادي تكرار الإشكالات التي أدت إلى الوضعية الحالية للمصفاة.
بين القضاء والقرار السياسي
ورغم تعدد المقترحات المطروحة، فإن مستقبل شركة لاسامير يظل مرتبطاً أيضاً بالمساطر القضائية الجارية والالتزامات القانونية المترتبة عن عقود الاستثمار السابقة.
وبين خيار التفويت للدولة وخيار التأميم المرحلي، يتواصل النقاش حول الصيغة الأنسب لإعادة الحياة إلى المصفاة، في انتظار قرار يوازن بين الجدوى الاقتصادية ومتطلبات السيادة الطاقية ومصلحة الاقتصاد الوطني.
