قرار تنظيمي جديد يوازن بين الحقوق واستمرارية العدالة
أصدر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، قرارًا تنظيميًا جديدًا يضع إطارًا دقيقًا لكيفيات استفادة القضاة من الرخص الإدارية والصحية، في خطوة تعكس توجّهًا مؤسساتيًا نحو ضبط الزمن القضائي وتعزيز حكامة التدبير داخل المحاكم.
القرار، الذي وُجّه إلى مختلف المسؤولين القضائيين، لا يكتفي بتحديد الشروط، بل يؤسس لمساطر واضحة وآجال مضبوطة، تُوازن بين الحقوق المهنية والاجتماعية للقضاة، ومتطلبات استمرارية المرفق القضائي وخدمة المتقاضين.
ضبط الزمن… مدخل للنجاعة القضائية
مقاربة شفافة لتعزيز الانضباط الإداري
بحسب عبد النباوي، يندرج هذا القرار في إطار سعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى إرساء مسطرة زمنية دقيقة وشفافة، تعزز الانضباط الإداري دون المساس بالحقوق الاجتماعية للقضاة، بما يخدم النجاعة القضائية ويحفظ الثقة في سير العدالة.
رخصة الحج: امتياز مرة واحدة في المسار المهني
شهر كامل… غير قابل للتجزئة إلا للضرورة
ومن بين أبرز مستجدات القرار، تحديد شروط الاستفادة من الرخص الاستثنائية، وعلى رأسها رخصة أداء مناسك الحج، التي تُمنح مرة واحدة طيلة المسار المهني ولمدة شهر كامل.
القرار شدد على أن هذه الرخصة غير قابلة للتجزئة، إلا إذا اقتضت مصلحة القضاء ذلك، وفي حال تجزئتها لا يمكن الاستفادة من الجزء المتبقي إلا بعد مرور سنة كاملة. كما أُلزم القاضي المعني بالإدلاء بنسخة من جواز سفره المثبت لأداء الحج فور استئناف العمل.
الرخص الصحية تحت المجهر
مساطر دقيقة وفحص طبي مضاد عند الاقتضاء
وفي ما يخص الرخص لأسباب صحية، ميّز القرار بين رخص المرض قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، مع إلزام القاضي بإشعار المسؤول القضائي المباشر داخل أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام من تاريخ التوقف عن العمل.
وفتح القرار المجال لإجراء فحص طبي مضاد عند الاقتضاء، على أن يُحال تقرير الطبيب المكلف داخل 24 ساعة، بينما يُعرض الملف على المجلس الصحي للبت فيه داخل أجل أقصاه عشرة أيام من تاريخ التوصل بالشهادة الطبية.
حوادث الشغل والتضحية… مسطرة خاصة
حين تتحول العدالة إلى فعل إنساني
وأفرد القرار مقتضيات خاصة للرخص الناتجة عن حوادث الشغل أو الأمراض المهنية، بما في ذلك الحالات المرتبطة بالتضحية لإنقاذ حياة الغير.
وفي هذه الحالات، أُلزم القاضي بإيداع ملف متكامل داخل أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام، يضم التقارير الطبية والمحاضر الرسمية، على أن يتم البت في الملف داخل عشرة أيام من تاريخ التوصل بالوثائق من طرف الجهات المختصة.
البعد الاجتماعي في صلب القرار
ولادة، رضاعة، أبوة وكفالة… العدالة بوجه إنساني
وفي شقه الاجتماعي، خصص القرار حيزًا مهمًا لرخص الولادة والرضاعة والأبوة والكفالة.
ونص على منح رخصة الولادة بناءً على شهادات طبية تُدلى بها خلال الشهر الثالث والسادس والثامن من الحمل. كما أقر رخصة للرضاعة لمدة ساعة واحدة يوميًا، يحدد توقيتها المسؤول القضائي المباشر، وتمتد إلى غاية 24 شهرًا من تاريخ الولادة.
أما رخصة الأبوة، فحدد القرار مدتها في 15 يومًا، مع إلزام القاضي بإشعار مسؤوله المباشر قبل يومين على الأقل من تاريخ الاستفادة. وبخصوص رخصة الكفالة، اشترط تقديم الطلب قبل ثمانية أيام على الأقل، وداخل أجل أقصاه 30 يومًا من تاريخ صدور أمر إسناد الكفالة.
رقمنة المساطر وتشديد المراقبة
المسؤول القضائي في قلب المتابعة
ومن الناحية التنظيمية، خوّل القرار للمسؤولين القضائيين المباشرين صلاحيات تتبع الوضعية الإدارية والصحية للقضاة، بما يضمن حسن سير المحاكم واستمرارية المرفق القضائي.
كما شدد على أن جميع الآجال المنصوص عليها تُعد آجالًا كاملة، لا يُحتسب فيها يوم البداية ولا يوم النهاية، مع إلزامية الإدلاء بجميع الوثائق عبر المنصة الرقمية المحدثة لهذا الغرض.
رسالة القرار
عدالة منضبطة… وحقوق لا تُهمل
بهذا القرار، يبعث المجلس الأعلى للسلطة القضائية برسالة واضحة:
الانضباط الإداري لا يتناقض مع البعد الإنساني،
والعدالة الناجعة تبدأ من تنظيم زمن القاضي وحماية حقوقه،
دون التفريط في حق المتقاضي في خدمة قضائية مستمرة ومنتظمة.
