محاكمة المخدرات… في المغرب لم تكن مجرد ملف قضائي عادي، بل تحولت إلى واحدة من أكثر المحاكمات درامية وصادمة في تاريخ القضاء المغربي. الأحكام الثقيلة التي وصلت إلى 169 سنة سجناً، والغرامات المالية التي تجاوزت 1000 مليار سنتيم، جعلت القضية أشبه بزلزال سياسي واقتصادي ضرب البلاد، وأدخلت عائلات بأكملها في دوامة الانهيار النفسي والاجتماعي.
سقوط شخصيات نافذة في محاكمة المخدرات
محاكمة المخدرات ستظل حديث الرأي العام القضية بدأت باعتقال 29 شخصاً، بينهم سياسيون بارزون، رجال أعمال، برلمانيون، دركيون وموثقون، إضافة إلى مصممة أزياء.
لكن ما جعلها استثنائية هو تورط أسماء ثقيلة مثل سعيد الناصري، رئيس الوداد البيضاوي ورئيس مجلس عمالة الدار البيضاء، وعبد النبي البعيوي، رئيس جهة الشرق ورجل الأعمال المعروف.
كلاهما انطلق من بيئات فقيرة، لكن دخولهما السياسة منحهم سلطة ونفوذاً لم يكن ممكناً بالمال وحده.
الناصري الذي صعد من تجارة الخردة إلى رئاسة فريق رياضي كبير، والبعيوي الذي بدأ من الصفر قبل أن يصبح أحد أبرز رجال الأعمال في الشرق، وجدا نفسيهما في قلب فضيحة تهز ثقة الرأي العام.
الحاج بن ابراهيم.. الرجل الغامض
الاسم الأكثر إثارة في الملف كان الحاج بن ابراهيم، الذي قدم نفسه كرجل أعمال إفريقي ومستشار لرئيس دولة مالي.
وُلد في كيدال بمالي من أب مالي وأم مغربية، وبدأ حياته في تجارة السيارات والذهب قبل أن يدخل عالم تهريب المخدرات من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا.
علاقاته الدولية مع مافيات بوليفيا والبرازيل وروسيا جعلت منه شخصية خطيرة، قبل أن يقرر الاستثمار في المغرب عبر مهرجانات وعلاقات سياسية. زواجه القصير من الفنانة لطيفة رأفت سنة 2013 أضاف بعداً إعلامياً للقضية، لكنه انتهى سريعاً بسبب أسلوب حياته المليء بالحفلات والسهرات.
شبكة التهريب وتبييض الأموال
الشبكة كانت تنظم اجتماعات سرية في قصر بوسكورة، وتصدر عشرات الأطنان من الحشيش سنوياً عبر السعيدية.
الأموال كانت تُبيض عبر شراء العقارات الفخمة وبيع الأسهم في شركات الناصري والبعيوي.
لكن مع تأسيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية (البسيج) سنة 2015، تغيرت المعادلة، حيث تم تعزيز التنسيق الأمني والتكنولوجيا، مما أدى إلى تفكيك الشبكات الكبرى.
في إحدى العمليات، تم ضبط ثلاث شاحنات محملة بـ40 طن من الحشيش، إضافة إلى مبالغ مالية ضخمة تجاوزت 20 مليار سنتيم، لتكون من أكبر الضربات الأمنية ضد شبكات التهريب.
خيانة الشركاء وانفجار محاكمة المخدرات
بعد خروجه من السجن في موريتانيا سنة 2019، عاد بن ابراهيم إلى المغرب ليُعتقل فور وصوله.
اكتشف لاحقاً أن الناصري والبعيوي استغلوا ممتلكاته وسجلوها بأسمائهم، وطلبوا منه مبالغ ضخمة مقابل وعود كاذبة بالترحيل أو تخفيف العقوبة.
في غشت 2023، نشرت مجلة “جون أفريك” تحقيقاً مفرقعاً كشف تورط شخصيات سياسية نافذة، مما أدى إلى فتح تحقيقات جديدة واعتقالات واسعة شملت 20 شخصاً إضافياً بينهم جزائريون ورئيس جماعة سابق.
شهادات متناقضة وأدلة تقنية
لطيفة رأفت استدعيت للمحكمة لتؤكد أن أقوال بن ابراهيم عن الناصري غير صحيحة، وأنها لم تر شيئاً بعينيها. تناقضات أقواله استغلها الدفاع للتشكيك في مصداقيته، خاصة بعد وصفه من طرف إدارة السجن بأنه “شخص خطير ومتخصص في الكذب”.
لكن الخبرة التقنية على الهواتف أظهرت مكالمات ورسائل بين المتهمين، إضافة إلى تحديد مواقعهم في أماكن المداهمات، مما شكل دليلاً قوياً ضدهم.
الأحكام والغرامات في محاكمة المخدرات
القضاء وزع أكثر من 169 سنة سجناً على المتهمين، مع غرامات مالية تجاوزت 1000 مليار سنتيم.
- سعيد الناصري: 10 سنوات سجناً وغرامة 6 مليار سنتيم.
- عبد النبي البعيوي: 12 سنة سجناً وغرامة 10 مليار سنتيم.
- عبد الرحيم البعيوي: 9 سنوات سجناً وغرامة 8 مليار سنتيم.
- فؤاد اليزيدي وسليمة بن هاشمي: 6 سنوات سجناً لكل واحد.
- البرلماني السابق بنقاسم مير: 10 سنوات سجناً.
إضافة إلى ذلك، صادرت السلطات 77 طن من الحشيش، وفرضت غرامات جمركية خيالية: 42 مليار سنتيم على البعيوي بسبب مخالفات الصرف، و15 مليار سنتيم على الناصري.
حتى بعد قضاء العقوبات السجنية، سيبقون مطالبين بأداء الغرامات الجمركية والمالية، مما يجعلهم ملاحقين مدى الحياة.
هل ستظل محاكمة المخدرات أكبر زلزال سياسي في المغرب؟
محاكمة المخدرات… لم تكن مجرد قضية جنائية، بل زلزال سياسي واقتصادي ضرب المغرب، وأظهر كيف يمكن للسلطة والمال أن يتشابكا في شبكة فساد معقدة.
الأحكام الثقيلة والغرامات الخيالية ستظل حديث الرأي العام لسنوات طويلة، لتؤكد أن القضاء المغربي واجه واحدة من أعقد الملفات في تاريخه الحديث.
