كاسبريس: ليلى المتقي
موجات الحر … تستعد أوروبا لموجة جديدة من الحر الشديد؛ مع توقع تسجيل درجات حرارة مرتفعة للغاية في عدد من البلدان، وذلك في وقت تحذر فيه منظمة الصحة العالمية من التأثير المتزايد لدرجات الحرارة القصوى على الصحة العامة،
بعد أن فقد أكثر من 200 ألف شخص حياتهم في القارة خلال السنوات الأربع الماضية بسبب الحر، مع تسجيل نحو 10 آلاف وفاة إضافية هذا الصيف وحده في خمس دول أوروبية، في مؤشر مقلق يعكس تسارع وتيرة التغير المناخي وتبعاته المباشرة على استقرار المجتمعات الأوروبية.
موجات الحر في أوروبا تكشف هشاشة الفئات المتضررة والأنظمة الصحية
تؤثر درجات الحرارة المرتفعة بشكل مباشر ومقلق على المسنين والأطفال والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة أو المقيمون في مساكن غير ملائمة للتقلبات المناخية، مما يفرض ضغوطا هائلة وغير مسبوقة على الأنظمة الصحية وأقسام المستعجلات في مختلف العواصم الأوروبية.
وفي المقابل، تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن جزءا كبيرا من هذه الوفيات المأساوية يمكن تفاديه بصورة قطعية عبر تطوير منظومة الإنذار المبكر، وتعزيز آليات حماية الفئات الهشة، وتيسير الولوج إلى مصادر المياه،
وتوفير المزيد من الفضاءات الخضراء داخل النسيج الحضري للتخفيف من حدة الجزر الحرارية الحضرية، مع إيلاء أهمية قصوى للمؤسسات الاستشفائية التي تواجه ضغطاً مضاعفاً خلال فترات الذروة المناخية الصعبة التي تعاني منها القارة العجوز.
موجات الحر في أوروبا تعيد إحياء النقاش السياسي والبيئي حول أجهزة التكييف
أعاد تزايد موجات الحر، التي ترتفع حرارتها في القارة الأوروبية بوتيرة تقارب ضعف المتوسط العالمي، إحياء النقاش الواسع بشأن مكانة وأهمية أجهزة التكييف في قارة اعتادت لفترات طويلة صيفاً أكثر اعتدالاً.
ونظراً لكون نحو 20 في المائة فقط من الأسر الأوروبية تتوفر حاليا على أنظمة تكييف، فقد فرض هذا الملف نفسه بقوة حتى في النقاشات السياسية الكبرى مثل الاستعدادات للانتخابات الرئاسية في فرنسا سنة 2027،
وسط الانقسام المستمر بين من يراها ضرورة حتمية لحماية الأرواح والفئات الهشة ومن يحذر من أضرارها البيئية والطاقية الجسيمة على المدى المتوسط والبعيد.
موجات الحر في أوروبا تضع شبكات الكهرباء والسياسات الطاقية في محك حقيقي
قد يؤدي التسارع في تعميم استخدام أجهزة التكييف إلى بلوغ عدد الوحدات العاملة في الاتحاد الأوروبي نحو 275 مليون وحدة بحلول سنة 2050، وهو ما يمثل أكثر من ضعف المستويات المسجلة سنة 2019.
هذا التوسع المرتقب سيرفع حتماً حجم الطلب على الكهرباء ويزيد من ضغوط انبعاثات الغازات الدفيئة إذا كانت شبكات الطاقة لا تزال تعتمد على المصادر الأحفورية،
مما يضع الاتحاد الأوروبي أمام تحديات جسيمة مرتبطة بصمته الكربونية التي تقدر بحوالي تسعة أطنان من مكافئ ثاني أكسيد الكربون للفرد سنويا، مقارنة بالمتوسط العالمي الذي لا يتجاوز خمسة أطنان.
موجات الحر في أوروبا تستدعي مراجعة معايير البناء واستراتيجيات الصمود المستدام
أمام صدمات التغير المناخي المستمرة، وباعتبار أن الرصيد العقاري الأوروبي التاريخي صُمم هندسياً في الأصل لحبس الحرارة لمواجهة قسوة الشتاء وليس لمجابهة الصيف اللاهب، باتت القارة مطالبة بإحداث ثورة حقيقية في معايير البناء والسياسات الحضرية.
ولم يعد الهدف يقتصر على إدارة موجات حر استثنائية عابرة، بل يتعداه إلى التكييف البنيوي المستدام، في انتظار ترقب تفعيل الاستراتيجية الأوروبية الشاملة للقدرة على الصمود المنتظرة مع نهاية سنة 2026 كإطار قانوني ملزم يضمن التنسيق المشترك.
موجات الحر في أوروبا تفرض تحليلاً عميقاً للخلفيات التاريخية والقانونية للتغير المناخي
تعكس تطورات موجات الحر المتكررة في القارة الأوروبية تحولاً جذرياً في الأنماط المناخية العالمية، حيث لم تعد درجات الحرارة المرتفعة مجرد استثناءات موسمية عابرة، بل تحولت إلى معطى بنيوي يهدد الاستقرار الصحي والاقتصادي والاجتماعي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
تاريخياً، كانت البنى التحتية والمباني السكنية في أوروبا مصممة هندسياً لحبس الحرارة لمواجهة قسوة فصول الشتاء الباردة، غير أن عجز هذا الرصيد العقاري عن التكيف مع الصيف اللاهب بات يفرض تعديلات قانونية وتنظيمية عميقة في مدونة البناء والتعمير الأوروبية.
من جهة أخرى، يثير التوسع المتوقع في استهلاك طاقة التكييف إشكاليات استراتيجية تتعلق بالأمن الطاقي والالتزامات المناخية الدولية للاتحاد الأوروبي الرامية إلى الحياد الكربوني، مما يجعل صياغة تشريعات جديدة وإنشاء إطار أوروبي ملزم للقدرة على الصمود أمراً حتمياً لحماية الأرواح وضمان استدامة الخدمات الأساسية بحلول أفق 2026 وما بعده، تكريساً لمبدأ الاستباق وحماية حقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومستدامة.
