هجوم الرياض يوقع 12 قتيلاً و309 مصابين
هجوم الرياض على مطار الملك خالد الدولي، السبت، خلّف 12 قتيلاً و309 مصابين، وفق الحصيلة التي أعلنتها الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، في واحدة من أعنف الهجمات التي تشهدها المملكة منذ أكثر من عقد. وشملت قائمة القتلى أربعة سعوديين وثمانية أجانب، بينهم مواطن أمريكي ومواطنان من بنغلاديش، إضافة إلى مواطنين من مصر والأردن وسوريا وفلسطين والسودان. وأكدت السلطات أن عدداً من المصابين يوجدون في حالات حرجة ويتلقون العلاج في مستشفيات مختلفة.
واستهدف الهجوم مجمع المطار الذي يضم مبنيي الركاب الثالث والرابع، متسبباً في أضرار مادية وتعليق العمليات الجوية. وتواصلت تداعيات الهجوم الأحد، مع تمديد إغلاق المطار وتعليق عدد كبير من الرحلات، في وقت كانت فيه الرياض تستعد لاستضافة فعاليات دولية مهمة.
وتعد هذه الحصيلة الأعلى في هجوم داخل المملكة منذ سنوات، ما منح العملية بعداً أمنياً وسياسياً كبيراً، خصوصاً أنها جاءت بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت مطارات ومنشآت سعودية خلال الأيام الماضية.
هجوم الرياض يشعل تهديدات الرد
سارعت قيادة التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن إلى التوعد برد حازم على الهجوم، حيث وصف المتحدث باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي استهداف مطار الملك خالد بأنه «جريمة حرب مكتملة الأركان»، متهماً الحوثيين باستهداف المدنيين من المسافرين والعاملين في المطار.
وأكد المالكي أن قيادة القوات المشتركة سترد بحزم، مع التأكيد على أن الرد سيكون وفق القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، من دون الكشف عن طبيعة العملية العسكرية المرتقبة أو موعد تنفيذها.
وفي المقابل، لم تعلن جماعة الحوثي مسؤوليتها بصورة صريحة عن هجوم السبت، رغم أنها جددت الأحد تحذيراتها لشركات الطيران والمسافرين والعاملين في المطارات السعودية، معتبرة أن المطارات والأجواء السعودية أصبحت ضمن نطاق عملياتها العسكرية.
وهذا التطور يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، خصوصاً إذا تحولت التهديدات المتبادلة إلى عمليات عسكرية واسعة داخل اليمن أو إلى استهداف إضافي للمنشآت السعودية.
هجوم الرياض يعطل حركة الطيران
لم تقتصر تداعيات الهجوم على الخسائر البشرية، بل امتدت مباشرة إلى حركة النقل الجوي في المملكة.
وأُوقفت العمليات في مطار الملك خالد، مع إلغاء وتحويل عدد كبير من الرحلات، فيما مددت السلطات إغلاق المطار وسط استمرار عمليات تقييم الأضرار وفحص البنية التحتية الخاصة بالمطار.
كما أعلنت شركات طيران دولية تعليق أو تعديل رحلاتها إلى الرياض، بينما أشارت بيانات تتبع الرحلات إلى استمرار الاضطراب في حركة الطيران. وأصدرت عدة دول تحذيرات لمواطنيها بشأن السفر إلى السعودية، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وامتد التأثير إلى الحياة اليومية في العاصمة، حيث تقرر اعتماد التعليم عن بعد في مدارس الرياض لمدة أسبوع، بالتزامن مع استمرار المخاوف الأمنية.
ويكشف ذلك عن حجم التأثير الذي باتت تفرضه الهجمات على البنية التحتية المدنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمطار دولي يمثل بوابة رئيسية للمملكة أمام العالم.
هجوم الرياض يتزامن مع تصعيد في اليمن
يأتي الهجوم في سياق تصعيد واسع بين القوات الموالية للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والحوثيين، بعد انهيار الهدوء النسبي الذي ساد خلال السنوات الماضية.
وتشير تقارير دولية إلى أن القوات الموالية للحكومة اليمنية بدأت في الرابع من أكتوبر عملية عسكرية جديدة لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون على الساحل الغربي، بما في ذلك مناطق قريبة من مضيق باب المندب.
وتقول القوات الحكومية إنها حققت تقدماً في بعض الجبهات، بينما يرفض الحوثيون هذه الرواية ويؤكدون استمرار سيطرتهم على مواقع استراتيجية. وتبقى التطورات الميدانية محل تضارب، في ظل صعوبة التحقق المستقل من جميع الادعاءات الصادرة عن طرفي النزاع.
وتكتسب منطقة باب المندب أهمية استراتيجية كبيرة، باعتبارها ممراً رئيسياً لحركة التجارة الدولية، كما ترتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومسارات نقل الطاقة.
هجوم الرياض يضع واشنطن أمام خيار صعب
لم تتوقف تداعيات الهجوم عند السعودية واليمن، بل وصلت سريعاً إلى واشنطن، خصوصاً بعد مقتل مواطن أمريكي في الهجوم.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة قد تنضم إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، لكنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن التدخل العسكري المباشر.
ورد ترامب، عندما سُئل عن احتمال مشاركة الولايات المتحدة، بأن ذلك «ممكن» وأن إدارته ستدرس الأمر، مشيراً إلى أنه يعتزم التحدث مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن التطورات.
وتقدم واشنطن بالفعل أشكالاً من الدعم الاستخباراتي والتنسيق للسعودية، وفق تقارير أمريكية، لكن المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين ستكون خطوة مختلفة من حيث التداعيات السياسية والعسكرية.
ومن شأن أي تدخل أمريكي مباشر أن يوسع نطاق المواجهة، خصوصاً أن الهجمات الحوثية تأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوتر مع إيران وأمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
هجوم الرياض يهدد المؤتمرات الدولية
تزامن التصعيد الأمني مع استعداد الرياض لاستضافة مؤتمرات وفعاليات اقتصادية دولية، من بينها مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرون، الذي انطلقت أعماله الأحد.
وأكد منظمو المؤتمر استمرار الفعاليات رغم الاضطرابات التي شهدتها حركة الطيران، فيما فرضت السلطات إجراءات أمنية إضافية، وسط تأثر مشاركة بعض المسؤولين ورجال الأعمال بالقيود المفروضة على الرحلات الجوية.
ويشكل استمرار هذه الفعاليات اختباراً لقدرة السعودية على الحفاظ على صورتها كمركز إقليمي للأعمال والاستثمار، في وقت تواجه فيه تحديات أمنية متزايدة.
فأي استمرار للهجمات على المطارات أو المنشآت الحيوية قد تكون له انعكاسات تتجاوز الجانب الأمني، لتطال السياحة والاستثمار والطيران والأسواق والطاقة.
هجوم الرياض يفتح باب التصعيد الإقليمي
الهجوم على مطار الملك خالد لا يبدو معزولاً عن التحولات العسكرية المتسارعة في المنطقة.
فخلال الأيام الماضية، تعرضت مطارات سعودية أخرى لهجمات أو تهديدات، فيما أعلنت السلطات السعودية اعتراض صواريخ ومقذوفات في محيط منشآت حيوية. كما جدد الحوثيون تحذيراتهم لشركات الطيران والمسافرين من استخدام المطارات السعودية.
وفي المقابل، تستعد السعودية وحلفاؤها لرد عسكري، ما يرفع احتمال توسع دائرة المواجهة داخل اليمن وخارجها.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية، خصوصاً في البحر الأحمر وباب المندب، ما يجعل أي تصعيد جديد قابلاً للتأثير على حركة التجارة والطاقة العالمية.
هجوم الرياض.. إلى أين تتجه المواجهة؟
يضع هجوم مطار الملك خالد السعودية أمام معادلة صعبة: الرد بقوة لإعادة فرض الردع، أو تجنب تصعيد واسع قد يؤدي إلى حرب أطول وأكثر كلفة.
وفي المقابل، تواجه إدارة ترامب اختباراً مشابهاً، إذ إن التدخل العسكري المباشر قد يمنح السعودية دعماً إضافياً في مواجهة الحوثيين، لكنه قد يفتح في الوقت نفسه جبهة جديدة أمام القوات الأمريكية في منطقة شديدة الحساسية.
أما على المستوى الإنساني، فإن سقوط قتلى وجرحى داخل مطار مدني يرفع المخاوف من أن تتحول البنية التحتية المدنية إلى جزء أساسي من المواجهة، بما يحمله ذلك من مخاطر على المسافرين والعاملين وحركة التجارة والطيران.
وبينما لم يتضح بعد شكل الرد السعودي أو القرار الأمريكي النهائي، فإن المؤكد أن هجوم الرياض نقل المواجهة مع الحوثيين إلى مستوى أكثر خطورة، وجعل أمن المطارات والمنشآت المدنية في قلب الأزمة الإقليمية المتصاعدة.
