المغرب في واشنطن… المعادن الحرجة تتحول إلى ورقة قوة
في عالم يعيد رسم خرائط القوة حول المعادن الحرجة بدل النفط، لم يأتِ حضور المغرب إلى واشنطن كضيف في اجتماع دبلوماسي، بل كطرف يعرض رؤية اقتصادية–سياسية بديلة.
وزير الخارجية ناصر بوريطة لم يتحدث بلغة الموارد، بل بلغة النموذج: موقع استراتيجي، بنية تحتية، واستقرار سياسي في زمن باتت فيه الثقة عملة نادرة.
الأزمة ليست في باطن الأرض… بل في قواعد اللعبة
رسالة بوريطة قلبت الطاولة على السردية السائدة.
العالم — كما قال — لا يعاني من نقص المعادن أو الأتربة النادرة، بل من غياب “تنمية مسؤولة” وافتقاد الثقة بين الشركاء.
هذا الطرح يضع المشكلة في نظام الحوكمة العالمي لسلاسل التوريد، حيث تتحول المواد الاستراتيجية إلى أدوات ضغط، بدل أن تكون جسور تعاون.
إفريقيا ترفض دور “الخزان”
حين انتقل الحديث إلى إفريقيا، كان الخطاب أكثر حدة.
القارة التي تمتلك 40% من احتياطيات المواد الخام و30% من المعادن الاستراتيجية، لم يعد مقبولًا — وفق الرؤية المغربية — أن تبقى مجرد مصدر خام للاقتصادات الكبرى.
بوريطة أعاد طرح فكرة السيادة الاقتصادية، داعيًا إلى “ميثاق وفاء” بين المنتجين والمصنّعين والمستهلكين، يضمن توزيع القيمة المضافة بدل احتكارها في الشمال الصناعي.
نقد مباشر لـ “العولمة المنجمية”
وصف الوزير واقع سلاسل التوريد الحالي بأنه غير عادل وغير مرن، بل ويتحول أحيانًا إلى أداة ضغط أحادي الجانب.
هذا ليس انتقادًا تقنيًا، بل موقف سياسي يعكس توجّه دول الجنوب لإعادة التفاوض على شروط مشاركتها في الاقتصاد العالمي.
المغرب يقدم نفسه كحلّ لا كطرف في الأزمة
ما يطرحه المغرب — ضمنيًا — هو أنه يمكن أن يكون منصة توازن بين الشمال الصناعي والجنوب المنتج.
استقراره السياسي، بنيته اللوجستية، وعلاقاته المتعددة الاتجاهات تجعله — في هذه المعادلة — شريكًا قادرًا على توفير ما تفتقده الأسواق: الموثوقية.
مذكرة التفاهم مع واشنطن: الدبلوماسية تتحول إلى سلاسل توريد
توقيع مذكرة تفاهم مغربية–أمريكية حول المعادن الحرجة ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل خطوة تُدخل الرباط مباشرة في هندسة سلاسل التوريد المستقبلية.
في سباق عالمي على تأمين الليثيوم والكوبالت والأتربة النادرة، تتحول هذه الاتفاقيات إلى أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن التحالفات العسكرية.
قرن الشراكات أم قرن الصراعات؟
في ختام كلمته، دعا بوريطة إلى جعل هذا القرن قرن الشراكات الموثوقة.
لكن السؤال الذي يظل معلقًا:هل سيسمح النظام الاقتصادي العالمي بإعادة توزيع القوة داخل سلاسل القيمة، أم سيستمر الصراع على الموارد بأدوات جديدة؟
في واشنطن، لم يقدّم المغرب خطابًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل طرح إطارًا أخلاقيًا واقتصاديًا جديدًا لمعادن ستحدد شكل الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.
