قانون المحاماة… يدخل مرحلة جديدة من الإصلاح بعد مصادقة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين بالأغلبية على مشروع القانون المنظم للمهنة، في خطوة اعتبرها متابعون من أبرز التحولات التشريعية التي يعرفها قطاع العدالة خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه التعديلات في سياق البحث عن تطوير المهنة وتعزيز الحكامة المهنية وتحقيق توازن أكبر بين متطلبات الولوج إلى المحاماة وضمان جودة الخدمات القانونية المقدمة للمواطنين.
قانون المحاماة يرفع سن الولوج
من أبرز المستجدات التي جاء بها قانون المحاماة رفع السن الأقصى لاجتياز مباراة الولوج إلى المهنة من 45 إلى 50 سنة، وهو تعديل استجاب لمطالب عدد من الفاعلين المهنيين والحقوقيين الذين اعتبروا أن السن السابق كان يحرم العديد من الكفاءات من فرصة الالتحاق بالمهنة.
كما تمت المصادقة على توسيع قاعدة التخصصات المؤهلة للولوج إلى معهد المحاماة، من خلال إدراج خريجي كليات الشريعة إلى جانب خريجي العلوم القانونية، بما يفتح المجال أمام فئات جديدة للمساهمة في تطوير الممارسة القانونية بالمملكة.
قانون المحاماة يوسع شروط الولوج
التعديلات الجديدة همت أيضا تمديد أجل تقديم طلب التقييد في لائحة المحامين المتمرنين من ستة أشهر إلى سنة كاملة بالنسبة للحاصلين على شهادة الكفاءة المهنية، فضلا عن رفع مدة الانقطاع المسموح بها للمحامين الراغبين في العودة إلى المهنة من 12 إلى 15 سنة.
وشمل قانون المحاماة كذلك المنتدبين القضائيين من الدرجة الأولى العاملين بهيئة كتابة الضبط، حيث أصبح بإمكانهم ولوج المهنة بعد استيفاء شروط محددة، من بينها التوفر على أقدمية لا تقل عن 15 سنة وشهادة الماستر في القانون أو الشريعة، واجتياز اختبار تقييمي خاص.
قانون المحاماة يعزز الرقابة المالية
على مستوى الممارسة المهنية، تم إدخال تعديلات تروم تحسين أداء المحاكم وضمان السير السليم للجلسات.
ومن بين أهم المستجدات إعادة صياغة مفهوم “عرقلة الجلسة” واستبداله بعبارة أكثر دقة وهي “كل فعل من شأنه الإخلال بنظام الجلسة أو تعطيل استمرار أشغالها”.
كما تم تدقيق مفهوم الشراكة المهنية بين المحامين، لتصبح الشراكة ممكنة بين مكتبين لمحاميين ينتميان إلى هيئتين مختلفتين، بدل الصيغة السابقة التي كانت تثير العديد من الإشكالات التطبيقية.
ويرى متابعون أن هذه الإجراءات ستساهم في تعزيز الأمن القانوني داخل المحاكم، كما ستحد من التأويلات المختلفة لبعض المقتضيات المرتبطة بسير الجلسات القضائية.
رقابة مالية غير مسبوقة
من بين أكثر النقاط التي أثارت الاهتمام داخل قانون المحاماة الجديد، إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بهدف ضمان الشفافية وحماية أموال المتقاضين والموكلين.
وينص التعديل على مراقبة مختلف العمليات المالية المرتبطة بهذه الحسابات، بما يشمل الإيداع والسحب والتحويل وتتبع الأرصدة والمصاريف والفوائد، مع منع مجالس الهيئات بشكل كامل من اقتطاع أي مبالغ من الأموال المودعة لفائدة المحامين أو موكليهم.
ويعتبر العديد من المختصين أن هذه الخطوة تعكس توجها جديدا نحو تعزيز الحكامة المالية وترسيخ الثقة في المؤسسات المهنية المرتبطة بمنظومة العدالة.
إعادة هندسة الهيئات
التعديلات لم تتوقف عند شروط الولوج والممارسة، بل امتدت إلى طريقة انتخاب وتشكيل مجالس الهيئات المهنية.
فقد تم تقليص الفئات الانتخابية إلى فئتين فقط، مع توزيع متساو للتمثيلية بين المحامين ذوي الأقدمية التي تتجاوز 20 سنة والمحامين الذين تتراوح أقدميتهم بين 10 و20 سنة.
كما تم تحديد عدد أعضاء مجالس الهيئات بحسب عدد المحامين المسجلين بكل هيئة، مع التنصيص على تمثيلية محاكم الاستئناف وضمان توازن أكبر داخل المؤسسات المهنية.
ويعكس هذا التوجه رغبة المشرع في تحديث البنية التنظيمية للمهنة وجعلها أكثر انسجاما مع التحولات التي يعرفها قطاع العدالة بالمغرب.
تحديات المرحلة المقبلة
ورغم أهمية المستجدات التي جاء بها قانون المحاماة، فإن نجاح هذه الإصلاحات سيظل مرتبطا بمدى حسن تنزيلها على أرض الواقع.
فالتعديلات التشريعية، مهما بلغت أهميتها، تحتاج إلى آليات تطبيق واضحة وإلى انخراط فعلي من مختلف المتدخلين لضمان تحقيق الأهداف المرجوة منها.
كما أن المرحلة المقبلة ستتطلب مواكبة مستمرة لتقييم أثر هذه المقتضيات الجديدة على الممارسة اليومية للمهنة.
رهان تحديث العدالة
ويرى متابعون للشأن القانوني أن قانون المحاماة الجديد يندرج ضمن ورش أوسع يهم تحديث منظومة العدالة بالمغرب وتعزيز فعاليتها.
فالمحامي يعتبر أحد الأعمدة الأساسية للعدالة، وأي إصلاح يهم المهنة ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات القضائية وعلى حماية حقوق المتقاضين.
كما أن تطوير شروط الولوج والتكوين والتدبير المالي من شأنه أن يرفع من مستوى الثقة في المؤسسات المهنية والقضائية.
انتظارات المهنيين
في المقابل، يترقب عدد من المحامين والمهنيين الصيغة النهائية التي سيخرج بها قانون المحاماة بعد استكمال جميع المراحل التشريعية.
وتبقى بعض الملفات المرتبطة بالممارسة اليومية للمهنة محل نقاش داخل الأوساط المهنية، خاصة ما يتعلق بالتكوين المستمر والرقمنة وتبسيط المساطر.
غير أن التوافق الواسع الذي رافق عددا من التعديلات الحالية يعكس وجود إرادة مشتركة لتطوير المهنة ومواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
إصلاح ينتظر الحسم النهائي
رغم المصادقة داخل اللجنة، فإن قانون المحاماة ما يزال أمام مراحل تشريعية أخرى قبل دخوله حيز التنفيذ بشكل نهائي.
غير أن التوافق الذي حصل حول 48 تعديلا همت 35 مادة من المشروع يعكس وجود إرادة قوية لتحديث المهنة وتكييفها مع المتغيرات القانونية والمؤسساتية التي يعرفها المغرب.
وتبقى الأنظار موجهة نحو المراحل المقبلة من المسار التشريعي لمعرفة الصيغة النهائية لهذا النص، الذي من المرتقب أن يترك أثرا مباشرا على مستقبل مهنة المحاماة وعلى منظومة العدالة برمتها.
