البنك الدولي يختار المغرب لعقد كامل من الشراكة
البنك الدولي … أعلن في يوليوز 2026 عن إطلاق إطار شراكة جديد مع المغرب يمتد للفترة 2026–2035؛ في خطوة وصفها رسمياً بأنها شراكة طويلة الأمد تهدف إلى تسريع خلق فرص الشغل ودعم نمو أكثر شمولاً وتنافسية وقدرة على الصمود. ويأتي هذا الإطار منسجماً مع النموذج التنموي الجديد للمغرب، مع تركيز واضح على انتقال الاقتصاد من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمار العمومي إلى نموذج أكثر اعتماداً على القطاع الخاص في خلق النمو وفرص العمل. (worldbank.org)
وإذا كان رقم 15 مليار دولار هو أكثر الأرقام التي جذبت الانتباه في هذا الإعلان، فإن القراءة المتأنية للوثائق الرسمية تكشف أن القصة أكبر من مجرد حجم التمويل. فالمسألة تتعلق أيضاً بطريقة توظيف التمويل، والإصلاحات المصاحبة له، ودور القطاع الخاص، والنتائج المنتظرة خلال عقد كامل.
والأهم أن الإطار الجديد لا يقدم التمويل باعتباره غاية في حد ذاته، بل يربطه بنتائج قابلة للقياس، من بينها خلق فرص الشغل، تعبئة الاستثمار الخاص، وتحسين الولوج إلى الصحة والتعليم وحماية الفئات الأكثر هشاشة من آثار الصدمات المناخية. (worldbank.org)
البنك الدولي يمدد الشراكة إلى 2035
من أبرز عناصر الإطار الجديد امتداده لعشر سنوات، وهي مدة أطول من إطار الشراكة الذي اعتمده المغرب مع البنك الدولي للفترة 2019–2024. الوثيقة السابقة كانت نفسها محددة في ست سنوات، بينما اختار البنك الدولي هذه المرة أفقاً يمتد إلى 2035. (World Bank)
لكن من المهم تصحيح فكرة أساسية وردت في المادة الأصلية: لا توجد قاعدة عامة موثقة تقول إن البنك الدولي ملزم دائماً بإبرام شراكات مدتها أربع أو خمس أو ست سنوات كحد أقصى. لذلك لا يمكن اعتبار الشراكة العشرية مع المغرب مجرد «كسر لقاعدة تاريخية» للمؤسسة.
ما تؤكده المؤسسة رسمياً هو أن اختيار عشر سنوات كان قراراً متعمداً، هدفه تجاوز منطق دورات المشاريع القصيرة والاستثمار في تحول هيكلي مستدام. وهذا يعطي المدة الجديدة أهمية استراتيجية، لأنها تتيح بناء برامج وإصلاحات تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها الكاملة. (worldbank.org)
البنك الدولي يضع التشغيل في قلب المرحلة المقبلة
التحول الأبرز في الإطار الجديد هو أن خلق فرص الشغل أصبح الهدف الشامل والمحوري للشراكة.
فالبنك الدولي يربط بين النمو الاقتصادي وبين قدرة الاقتصاد المغربي على توفير وظائف أكثر وأفضل، خصوصاً للشباب والنساء. وهذه النقطة تعكس تحدياً هيكلياً معروفاً في الاقتصاد المغربي، حيث لا تكفي معدلات النمو وحدها للحكم على جودة الأداء الاقتصادي إذا لم تتحول إلى فرص عمل وإنتاجية ودخل أفضل للأسر.
وتشير وثائق الإطار الجديد إلى استمرار وجود تحديات مرتبطة بدينامية القطاع الخاص، وفوارق مجالية، ومخاطر مناخية، وعدم تطابق المهارات مع حاجيات سوق العمل، إلى جانب ارتفاع البطالة خصوصاً في صفوف الشباب والنساء. (World Bank)
ولهذا لم يجعل البنك الدولي التشغيل مجرد هدف ثانوي، بل وضعه في صلب الإطار الجديد.
وهذا التحول مهم جداً، لأن المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بعدد الطرق أو المنشآت أو المشاريع التي يتم إنجازها، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل هذه الاستثمارات إلى نشاط إنتاجي وفرص عمل مستدامة.
البنك الدولي يراهن على انتقال المشعل إلى القطاع الخاص
خلال العقود الماضية، لعب الاستثمار العمومي دوراً أساسياً في تحديث البنية التحتية المغربية. وقد ساهمت الاستثمارات في الطرق والموانئ والطاقة والخدمات الأساسية في بناء قاعدة مادية ساعدت على استقطاب الاستثمارات وتحسين تنافسية الاقتصاد.
لكن المرحلة الجديدة تحمل فلسفة مختلفة نسبياً.
فالبنك الدولي يؤكد أن الإطار الجديد يهدف إلى مساعدة المغرب على الانتقال من نموذج نمو تقوده الاستثمارات العمومية إلى اقتصاد أكثر حيوية يقوده القطاع الخاص ويخلق وظائف أكثر وأفضل. (worldbank.org)
بمعنى آخر، لم يعد المطلوب فقط أن تستثمر الدولة، وإنما أن تتحول البنية التحتية والإصلاحات العمومية إلى منصة تسمح للمقاولات بالاستثمار والتوسع والإنتاج.
وهنا تظهر أهمية المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لأنها تحتاج إلى بيئة أعمال أكثر مرونة، وتمويل أسهل، ومنافسة عادلة، ومساطر إدارية أقل تعقيداً.
فالهدف الحقيقي ليس ضخ الأموال في الاقتصاد فقط، وإنما خلق الظروف التي تسمح لرأس المال الخاص بتحويل تلك الأموال إلى استثمارات منتجة.
البنك الدولي يحدد 3 محاور للمرحلة الجديدة
الإطار الجديد يرتكز على ثلاثة مجالات رئيسية مترابطة.
البنك الدولي ودعم تنافسية المقاولات
المحور الأول يركز على جعل المقاولات أكثر تنافسية وإنتاجية، من خلال تقليص الحواجز التنظيمية، وتعزيز المنافسة، وتحسين الولوج إلى التمويل، خصوصاً بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة. (worldbank.org)
وهذا المحور يعتبر أساسياً لأن خلق الوظائف لا يمكن أن يتحقق بالقطاع العام وحده. فكلما تمكنت المقاولات من الاستثمار والتوسع، ارتفعت قدرتها على التوظيف والإنتاج والتصدير.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب أكثر من القروض. إنه يحتاج إلى سوق تنافسية، وقواعد واضحة، وإدارة أكثر فعالية، وتكافؤ في الفرص.
البنك الدولي وتقليص الفوارق المجالية
المحور الثاني يتعلق بتطوير مدن ومجالات ترابية أكثر اتصالاً وشمولاً وقدرة على الصمود.
والفكرة هنا أن التنمية لا ينبغي أن تتركز في عدد محدود من الأقطاب الاقتصادية، بل يجب أن تستفيد منها المدن والمناطق القروية والداخلية أيضاً.
كما يحتل التغير المناخي والجفاف وشح المياه موقعاً مهماً في هذه الرؤية، لأن الاقتصاد المغربي أصبح أكثر ارتباطاً بالقدرة على مواجهة المخاطر المناخية وإدارة الموارد الطبيعية بشكل مستدام. (World Bank)
البنك الدولي والاستثمار في الرأسمال البشري
أما المحور الثالث فيركز على الرأسمال البشري من خلال دعم إصلاحات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتطوير المهارات.
وهذه النقطة مرتبطة مباشرة بالمحور الأول، لأن المقاولة الحديثة تحتاج إلى يد عاملة مؤهلة وقادرة على التعامل مع التكنولوجيا والتحولات الجديدة في سوق العمل.
فالاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية، خصوصاً في اقتصاد يريد الانتقال إلى قطاعات أكثر إنتاجية وقيمة مضافة.
البنك الدولي ورقم 15 مليار دولار: ماذا يعني فعلاً؟
رقم 15 مليار دولار يحتاج إلى قراءة دقيقة حتى لا يتحول إلى عنوان مضلل.
فالمعطيات المنشورة حول الإطار الجديد تشير إلى وجود حزمة تمويل استرشادية بحوالي 15 مليار دولار من المؤسسة الدولية للإنشاء والتعمير IBRD خلال الفترة 2026–2035، مع تركيز كبير على القطاع العمومي. كما يُنتظر أن تتجاوز التزامات مؤسسة التمويل الدولية IFC تجاه القطاع الخاص هذا المبلغ خلال الفترة نفسها، إضافة إلى دور مؤسسة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف MIGA في تعبئة الاستثمار الخاص وتوفير الضمانات. (Médias24)
بل يتعلق الأمر بإطار تمويلي استرشادي مرتبط بتنفيذ البرامج والإصلاحات والمشاريع خلال عشر سنوات.
وهنا تظهر أهمية كلمة «استرشادي»، لأن التمويل يرتبط بالبرامج والنتائج وآليات التنفيذ، وليس مجرد التزام نقدي منفصل عن الأداء.
البنك الدولي بين التمويل العمومي ورأس المال الخاص
الميزة الأهم في الإطار الجديد هي أنه لا يعتمد على مؤسسة واحدة فقط.
فمجموعة البنك الدولي تضم آليات مختلفة، لكل واحدة منها وظيفة محددة.
البنك الدولي للإنشاء والتعمير يوفر التمويل السيادي والدعم المرتبط بالبرامج العمومية، بينما تركز مؤسسة التمويل الدولية IFC على القطاع الخاص، وتعمل MIGA على استخدام الضمانات لتقليل بعض المخاطر المرتبطة بالاستثمارات وتحفيز رأس المال الخاص. (worldbank.org)
وبالتالي فإن الرهان لا يتعلق فقط بإقراض الدولة، وإنما ببناء منظومة تجمع بين التمويل العمومي والخبرة التقنية ورأس المال الخاص والضمانات.
وهذه النقطة مهمة جداً بالنسبة للمغرب، لأن التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون كيفية تحويل كل درهم أو دولار يتم تعبئته إلى استثمار منتج قادر على خلق قيمة مضافة وفرص عمل.
البنك الدولي والقروض: هل 15 مليار دولار تعني ديوناً جديدة؟
الجواب يحتاج إلى التفريق بين التمويل والقروض والضمانات.
فالبنك الدولي ليس مؤسسة خيرية، والتمويلات المقدمة عبر البنك الدولي للإنشاء والتعمير تكون في إطار أدوات مالية لها شروطها والتزاماتها، بينما تختلف طبيعة الأدوات بحسب المؤسسة والبرنامج والمشروع.
لذلك فإن السؤال الاقتصادي الصحيح ليس فقط: كم سنقترض؟
بل السؤال الأهم هو: في ماذا سيُستخدم التمويل؟
إذا تم توجيه الاقتراض إلى مشاريع ترفع الإنتاجية وتدعم الاستثمار وتخلق فرص عمل وتوسع القاعدة الضريبية، فإن الدين يمكن أن يكون جزءاً من استراتيجية استثمارية.
أما إذا تم استخدام الاقتراض بشكل لا يولد قدرة إضافية على الإنتاج أو النمو، فإن عبء خدمة الدين يمكن أن يصبح أكثر حساسية على المدى الطويل.
ولهذا يجب تقييم كل عملية تمويل على أساس مردودها الاقتصادي والاجتماعي، وليس فقط على أساس حجمها المالي.
البنك الدولي يربط التمويل بالإصلاح والنتائج
الإطار الجديد لا يتوقف عند توفير الموارد المالية، بل يعتمد أيضاً على آليات تتبع للنتائج.
البنك الدولي أعلن أن التقدم سيتم قياسه من خلال مؤشرات ملموسة، تشمل فرص العمل التي تم خلقها، والاستثمار الخاص الذي تمت تعبئته، وتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز حماية الفئات الأكثر هشاشة أمام الصدمات المناخية. (worldbank.org)
كما أن تنفيذ الإطار سيعتمد على الحوار المستمر مع السلطات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب خطط عمل ومتابعة للنتائج.
وهذا يجعل الإصلاحات جزءاً أساسياً من المعادلة.
فالتمويل وحده لا يستطيع تغيير الاقتصاد إذا بقيت العراقيل التنظيمية أو ضعف الإنتاجية أو صعوبة الولوج إلى التمويل قائمة.
البنك الدولي والمغرب.. الثقة موجودة لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
من السهل النظر إلى الإطار الجديد باعتباره شهادة ثقة دولية في الاقتصاد المغربي، وهذا الجانب موجود فعلاً في الخطاب الرسمي للبنك الدولي.
فالمؤسسة تقول إن المغرب حقق مكاسب تنموية مهمة، وإن النموذج التنموي الجديد يمثل طموحاً واضحاً للتحول الاقتصادي. كما أن قرار تمديد أفق الشراكة إلى عشر سنوات يعكس رغبة في الاستثمار في تحول هيكلي طويل الأمد. (worldbank.org)
لكن الثقة الدولية لا تعني أن جميع المشاكل الاقتصادية انتهت.
على العكس، يمكن القول إن الشراكة الجديدة تضع المغرب أمام اختبار أكبر: هل يستطيع تحويل الاستثمارات والإصلاحات إلى إنتاج وفرص شغل؟
فهنا تحديداً ستظهر قيمة الاتفاق.
إذا نجح القطاع الخاص في توسيع استثماراته، وارتفعت الإنتاجية، وتحسنت مشاركة الشباب والنساء في سوق العمل، وتم تقليص الفوارق المجالية، فإن التمويل الدولي يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية للنمو.
أما إذا بقيت الاستثمارات منفصلة عن خلق الوظائف والإنتاج، فإن ضخامة الأرقام لن تكون كافية لتغيير واقع الاقتصاد.
البنك الدولي يراهن على مغرب ما بعد البنية التحتية
البنك الدولي لا يقدم إطار 2026–2035 باعتباره مجرد اتفاق تمويل جديد، وإنما باعتباره مرحلة مختلفة في علاقة المؤسسة بالمغرب.
المغرب يدخل هذه المرحلة بعد عقود من الاستثمار العمومي في البنية التحتية وتطوير المؤسسات والخدمات، بينما يركز الإطار الجديد بدرجة أكبر على الإنتاجية، والقطاع الخاص، والرأسمال البشري، وتقليص الفوارق المجالية، والقدرة على مواجهة التغيرات المناخية.
أما رقم 15 مليار دولار، فهو مهم، لكنه ليس وحده جوهر القصة. الأهم هو كيفية تعبئة التمويل، وما إذا كان سينجح في تحفيز استثمارات خاصة إضافية وتحويل الإصلاحات إلى نتائج ملموسة.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة الأساسية للشراكة الجديدة: الدولة لا تتخلى عن دورها، لكنها مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتهيئة الظروف التي تجعل المقاولة والاستثمار الخاص محركاً رئيسياً للنمو.
فإذا نجح هذا الانتقال، فقد تكون الفترة الممتدة إلى 2035 محطة حاسمة في تطور الاقتصاد المغربي. أما إذا بقيت الاختلالات الهيكلية قائمة، فلن تكون المليارات وحدها كافية لصناعة التحول المنشود.
