بنسليمان … لم تعد مجرد منصة لاستقبال الطائرات أو تنفيذ عمليات الصيانة التقليدية؛ بل أصبحت جزءًا من طموح صناعي مغربي أوسع يقوم على توطين قدرات متقدمة في مجال الطيران والدفاع.
ويبرز في هذا السياق مشروع Maintenance Aero Maroc، الذي دخل مرحلة جديدة مع وضع الحجر الأساس لحظيرة متخصصة في الصيانة الثقيلة لطائرات F-16 وC-130 Hercules يوم 15 أكتوبر 2025.
المشروع يجمع بين Sabena Engineering البلجيكية، وMEDZ التابعة لمجموعة CDG، وشركاء مغاربة، بدعم وشراكة مع Lockheed Martin الأمريكية، ويستهدف إنشاء مركز للصيانة والإصلاح والتحديث والتكوين التقني.
وتؤكد المعطيات المنشورة من الشركاء أن المنشأة ستعزز قدرات المغرب في مجال MRO&U، مع إمكانية توسيع خدماتها مستقبلًا نحو زبناء آخرين في المنطقة. (sabena-engineering.com)
بنسليمان يعيد تعريف مفهوم صيانة الطائرات
عندما تشتري دولة طائرة عسكرية متطورة، فإن الصفقة لا تنتهي لحظة تسلم الطائرة. فهناك دورة حياة طويلة تشمل الصيانة الدورية، الإصلاحات الثقيلة، قطع الغيار، عمليات الفحص، التحديثات، التدريب، والاعتمادات التقنية.
فالقدرة على تنفيذ مستويات متقدمة من الصيانة داخل الدولة تمنحها مزايا اقتصادية وعملية مهمة، لأنها تقلل الحاجة إلى إرسال بعض المعدات إلى الخارج، وتختصر جزءًا من الزمن اللوجستي، وتساعد على تطوير كفاءات تقنية محلية.
لكن من المهم التفريق بين امتلاك قدرة صيانة معتمدة وبين امتلاك التكنولوجيا الكاملة لتصميم الطائرة أو تصنيعها. مشروع بنسليمان، وفق المعطيات المعلنة، يركز على الصيانة الثقيلة والتحديث والتكوين، وليس على نقل كامل أسرار تصميم مقاتلات F-16 أو طائرات C-130 إلى المغرب. (sabena-engineering.com)
بنسليمان يختصر فاتورة الاعتماد على الخارج
من الناحية الاقتصادية، يمكن أن تتحول الصيانة المحلية إلى عنصر مهم في تقليص جزء من النفقات المرتبطة بدورة حياة الأسطول.
فعندما يتم إنجاز عمليات تقنية داخل المملكة، فإن جزءًا من القيمة الاقتصادية المرتبطة بها يبقى داخل الاقتصاد الوطني، من خلال أجور المهندسين والتقنيين، والخدمات اللوجستية، والتكوين، والخدمات الصناعية المساندة.
غير أن نسبة 50 إلى 60 في المائة من التوفير التي ترد في المادة الأصلية لا تظهر ضمن المصادر الرسمية التي أمكن التحقق منها، ولذلك لا يصح تقديمها كرقم مؤكد.
الأهم أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تقاس فقط بما يمكن توفيره من تكاليف، بل بما يمكن أن ينتجه من قدرات بشرية وتقنية وصناعية على المدى الطويل.
وهذه النقطة أساسية في الاقتصاد الصناعي: فكلما ارتفعت نسبة العمليات التي يمكن تنفيذها محليًا، زادت قدرة الدولة على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل اقتصادها.
بنسليمان يبني على قاعدة صناعية موجودة
المغرب لا يبدأ من الصفر في قطاع الطيران.
فخلال السنوات الماضية، تطورت المنظومة الصناعية للطيران بالمملكة لتضم شركات ومصانع مرتبطة بمكونات الطائرات والهياكل والأسلاك والأنظمة الكهربائية والتجميع والمحركات والصيانة والإصلاح.
وتشير معطيات المركز الجهوي للاستثمار لجهة الدار البيضاء-سطات إلى وجود نحو 150 شركة في القطاع، وأكثر من 26 ألف منصب شغل، مع صادرات بلغت حوالي 26.4 مليار درهم سنة 2024، إلى جانب منظومات صناعية تشمل الهندسة والتجميع والمحركات وMRO والمواد المركبة. (casainvest.ma)
وفي 2026، ارتفعت المؤشرات أكثر؛ إذ تشير معطيات رسمية مغربية إلى أن القطاع يضم أكثر من 155 شركة، ويوفر أكثر من 25 ألف وظيفة عالية المهارة، ويحقق قرابة 3 مليارات دولار من الصادرات، مع معدل إدماج محلي يناهز 42 في المائة. (Maroc)
بنسليمان يربط الصناعة المدنية بالدفاع
واحدة من أهم نقاط القوة في النموذج المغربي هي وجود قاعدة صناعية مدنية يمكن أن تساهم في تطوير الكفاءات التي تحتاجها الصناعات الدفاعية.
قطاع الطيران المدني يتطلب بدوره معايير عالية في الجودة والدقة والسلامة والتتبع، وهي مهارات يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير قدرات أكثر تخصصًا في المجالات العسكرية، مع احترام الفوارق الكبيرة بين المجالين.
وهنا تظهر أهمية الشراكات مع الشركات العالمية.
فالمشروع لا يقوم على بناء منشأة مغربية بمعزل عن الخارج، وإنما على الجمع بين الخبرة المغربية والشراكة البلجيكية والدعم التقني المرتبط بمنصات Lockheed Martin. وقد أكدت Sabena Engineering أن الشراكة تهدف إلى توفير المنشأة والمعدات والتكوين والاعتماد اللازم لدعم احتياجات القوات الجوية الملكية وزبناء دوليين محتملين. (sabena-engineering.com)
بنسليمان يفتح باب التصدير
الهدف الأكثر طموحًا لا يرتبط فقط بصيانة الطائرات المغربية.
فالشركاء تحدثوا عن إمكانية تطوير المنشأة لتقديم خدمات لزبناء آخرين في المنطقة، ما يعني أن المغرب يمكنه الانتقال تدريجيًا من مستهلك لخدمات الصيانة إلى مقدم لهذه الخدمات.
وهذا التحول مهم اقتصاديًا.
فإذا أصبحت طائرات دول أخرى تأتي إلى المغرب لإجراء عمليات صيانة أو إصلاح أو تحديث، فإن المملكة لا تشتري خدمة من الخارج فقط، بل تبدأ في تصدير خدمة تقنية ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وهنا تتحول الصيانة من تكلفة مرتبطة بالأسطول الوطني إلى نشاط صناعي يمكن أن يولد إيرادات بالعملة الصعبة ويوفر وظائف تقنية متخصصة.
وقد أكدت Sabena Engineering منذ الإعلان عن المشروع أن الهدف كان دعم القوات الجوية الملكية أولًا، ثم التوسع سريعًا نحو زبناء آخرين في المنطقة. (sabena-engineering.com)
بنسليمان يعزز السيادة الصناعية وليس الاستقلال الكامل
من الخطأ قراءة المشروع باعتباره إعلانًا عن تحول المغرب إلى دولة تصنع مقاتلات F-16.
المغرب لا يصنع F-16، ولا يعني وجود مركز صيانة معتمد امتلاك جميع التقنيات التي تدخل في تصميم الطائرة أو محركاتها أو أنظمتها الحساسة.
لكن السيادة الصناعية لا تعني بالضرورة تصنيع كل شيء محليًا.
في الصناعات المعقدة، يمكن أن تبدأ السيادة من امتلاك القدرة على الصيانة والإصلاح والتحديث والتكوين وإدارة دورة حياة المعدات، ثم تطوير سلسلة من المهارات والأنشطة الصناعية المحيطة بها.
وهذه بالضبط هي القيمة الاستراتيجية التي يمكن أن يمثلها مشروع بنسليمان.
بنسليمان يدخل ضمن رؤية دفاعية أوسع
ولا يمكن عزل مشروع الصيانة عن التطور الأوسع للعلاقات الدفاعية المغربية-الأمريكية.
ففي أبريل 2026، وقع المغرب والولايات المتحدة خارطة طريق جديدة للتعاون الدفاعي للفترة 2026-2036، بعد اجتماع لجنة الدفاع الاستشارية المغربية-الأمريكية في واشنطن. وتغطي الشراكة مجالات متعددة، من بينها التعاون الدفاعي والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني. (Médias24)
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى بنسليمان باعتباره جزءًا من مسار أكبر يهدف إلى تطوير القدرات التقنية والصناعية المرتبطة بالدفاع.
لكن يجب الحذر من تحويل ذلك إلى استنتاجات غير معلنة رسميًا حول تفاصيل التعاون أو نقل تقنيات حساسة بعينها.
بنسليمان والرهان الحقيقي على الإنسان
ربما يكون أهم سؤال في المشروع كله بعيدًا عن مساحة الحظيرة وعدد الطائرات التي يمكنها استقبالها.
السؤال الحقيقي هو: كم عدد المهندسين والتقنيين المغاربة الذين سيكتسبون خبرة متقدمة؟
وهل ستنتقل المعرفة إلى المعاهد ومراكز التكوين المغربية؟
وهل سيستطيع المغرب مع مرور الوقت تطوير منظومة محلية من الموردين والخدمات المتخصصة حول هذه المنشأة؟
فالمنشأة يمكن أن تكون مجرد ورشة كبيرة، لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى مدرسة صناعية حقيقية إذا ارتبطت بالتكوين ونقل الخبرة وتطوير الموردين المحليين.
بنسليمان نحو مركز إقليمي للصيانة
المشروع ما يزال في مرحلة البناء والتطوير، وبالتالي فإن الحكم النهائي على نتائجه سيكون سابقًا لأوانه.
لكن الاتجاه واضح: المغرب يحاول الانتقال خطوة إضافية في سلسلة القيمة، من تصنيع أجزاء ومكونات الطائرات إلى توسيع قدراته في الصيانة والإصلاح والتحديث، بما في ذلك المجال العسكري.
وتؤكد المؤشرات العامة أن هذه الاستراتيجية ليست منفصلة عن التطور الذي عرفه قطاع الطيران المغربي خلال أكثر من عقدين، بعدما انتقل من عدد محدود جدًا من الشركات إلى منظومة تضم أكثر من 155 شركة وتحقق مليارات الدولارات من الصادرات. (Maroc)
الخلاصة: بنسليمان أكبر من مجرد حظيرة
في النهاية، أهمية مشروع Maintenance Aero Maroc في بنسليمان لا تكمن فقط في قدرته على صيانة F-16 وC-130، وإنما في احتمال تحوله إلى حلقة ضمن منظومة صناعية أوسع.
المعادلة الحقيقية هي: صيانة محلية + تكوين متخصص + خبرة دولية + موردون محليون + إمكانية استقطاب زبناء أجانب = قيمة صناعية جديدة.
وإذا نجح المغرب في تحقيق هذه المعادلة، فإن بنسليمان لن يكون مجرد مركز لصيانة الطائرات، بل يمكن أن يصبح منصة إقليمية لخدمات الطيران العسكري، وجزءًا من مسار طويل نحو رفع القيمة المضافة للصناعة المغربية.
وهنا تكمن الرسالة الاقتصادية الأهم: القوة الصناعية لا تبدأ دائمًا من تصنيع المنتج بالكامل، بل تبدأ أحيانًا من امتلاك القدرة على صيانته وتحديثه وإدارة دورة حياته، ثم بناء منظومة كاملة حول هذه المعرفة.
