كاسبريس: ليلى المتقي
“المبادلات التجارية المغربية الإفريقية”… في وقت تتجه فيه القارة الإفريقية إلى تعزيز تكاملها الاقتصادي ومواجهة التحديات التنموية المشتركة، كشفت معطيات رسمية جديدة عن المكانة المتنامية التي بات يحتلها المغرب داخل الاقتصاد الإفريقي.
وأكد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، أن المبادلات التجارية المغربية الإفريقية تجاوزت 56 مليار درهم، مسجلة نمواً يقارب 50 في المائة خلال عقد واحد، وهو ما يعكس الدينامية المتسارعة التي تعرفها العلاقات الاقتصادية بين المملكة وعمقها الإفريقي.
أرقام تعكس التحول
وخلال جلسة إفريقية خاصة بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ضمن أشغال منتدى مراكش البرلماني الاقتصادي، أوضح ولد الرشيد أن هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام معزولة، بل تعكس انخراط المغرب بشكل متزايد في سلاسل القيمة الإقليمية والقارية.
وأشار إلى أن المبادلات التجارية المغربية الإفريقية أصبحت أحد المحركات الأساسية لتعزيز التعاون جنوب-جنوب، في إطار رؤية استراتيجية تجعل من القارة فضاءً للتنمية المشتركة والاستثمار المتبادل.
صناعة السيارات تقود الصادرات
ومن بين أبرز المؤشرات الاقتصادية التي استعرضها المسؤول المغربي، ما حققته صناعة السيارات الوطنية، التي تجاوزت صادراتها 158 مليار درهم، لتصبح المملكة أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية.
ويعكس هذا الإنجاز التحول الصناعي الذي عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث نجح في بناء منظومة صناعية متكاملة تربط بين الكفاءات المحلية ومكونات الإنتاج الإفريقية والأسواق الأوروبية، ما عزز تنافسية الاقتصاد الوطني ورفع من حجم المبادلات التجارية المغربية الإفريقية.
الفوسفاط والأمن الغذائي
كما سلط ولد الرشيد الضوء على الدور المحوري الذي يضطلع به المكتب الشريف للفوسفاط داخل القارة، موضحاً أن منظومته الصناعية أصبحت تغطي أكثر من نصف احتياجات إفريقيا من الأسمدة.
وأضاف أن المجموعة تعمل على تطوير مشاريع صناعية وفلاحية مشتركة في عدد من الدول الإفريقية، بهدف تعزيز الأمن الغذائي وترسيخ سلاسل القيمة الزراعية والصناعية داخل القارة.
ويؤكد هذا التوجه أن المبادلات التجارية المغربية الإفريقية لم تعد تقتصر على المبادلات التقليدية، بل أصبحت تشمل مشاريع استراتيجية ذات أثر مباشر على التنمية المستدامة والأمن الغذائي.
20 مليون شاب يبحثون عن فرصة
وفي قراءة أوسع للواقع الإفريقي، أشار رئيس مجلس المستشارين إلى أن نحو 20 مليون شاب إفريقي يستيقظون كل صباح بحثاً عن فرصة عمل لائقة.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن في ضعف الإمكانيات التي تزخر بها القارة، بل في عدم القدرة على تحويل هذه المؤهلات الطبيعية والبشرية إلى قيمة مضافة وفرص حقيقية للنمو والتشغيل.
واعتبر أن الشباب الإفريقي يتطلع إلى قارة توفر فرص العيش الكريم والاستقرار، بدل أن تكون فضاءً للهجرة والانتظار، مشدداً على أن الاندماج الاقتصادي يبقى أحد أهم المفاتيح لتحقيق هذا الهدف.
رقم مقلق يعرقل التنمية
وسجل ولد الرشيد أن التجارة البينية الإفريقية لا تتجاوز حالياً 15 في المائة من إجمالي تجارة القارة، مقارنة بحوالي 70 في المائة في أوروبا و60 في المائة في آسيا.
ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا الفارق الكبير يكشف حجم الفرص الضائعة التي يمكن أن تحققها إفريقيا في حال تعزيز التكامل الاقتصادي وتسهيل المبادلات التجارية بين دولها.
وفي هذا السياق، أكد المسؤول المغربي أن التطبيق الفعال لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يمكن أن يضيف ما يقارب 450 مليار دولار إلى دخل القارة، فضلاً عن المساهمة في انتشال نحو 30 مليون شخص من الفقر المدقع.
منطقة التجارة الحرة أمام اختبار حقيقي
ورغم الآفاق الواعدة التي تفتحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، فإن نجاح هذا الورش الاستراتيجي يظل رهيناً بتجاوز عدد من التحديات المرتبطة بالبنيات التحتية والنقل واللوجستيك وتبسيط المساطر التجارية بين الدول الإفريقية.
ويرى متتبعون أن تعزيز الربط البحري والبري والجوي بين بلدان القارة سيمكن من تسريع وتيرة المبادلات وخلق دينامية اقتصادية جديدة قادرة على جذب الاستثمارات ورفع حجم الإنتاج المشترك.
كما أن تطوير الشراكات الاقتصادية بين المغرب والدول الإفريقية من شأنه أن يمنح دفعة قوية لمسار الاندماج القاري، خاصة في القطاعات الحيوية المرتبطة بالصناعة والفلاحة والطاقة والخدمات.
ويؤكد خبراء أن المبادلات التجارية المغربية الإفريقية مرشحة لمواصلة النمو خلال السنوات المقبلة، إذا ما تم استثمار الإمكانات المتاحة وتفعيل مختلف الاتفاقيات الاقتصادية على أرض الواقع.
رهان المستقبل
وتبرز هذه المعطيات أن المبادلات التجارية المغربية الإفريقية أصبحت جزءاً أساسياً من رؤية اقتصادية أوسع تهدف إلى تعزيز الاندماج القاري وتحويل إفريقيا إلى قطب اقتصادي قادر على المنافسة عالمياً.
كما تؤكد التجربة المغربية أن الاستثمار في الصناعة والبنية التحتية والشراكات الاقتصادية يمثل الطريق الأسرع نحو تحقيق التنمية المستدامة وخلق فرص الشغل، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم.
