رحيل لا يشبه الغياب العابر
لم يكن خبر وفاة الفنانة المغربية القديرة صفية الزياني مجرد إعلان عابر في شريط الأخبار، بل صدمة حقيقية هزّت وجدان الساحة الفنية الوطنية. فبرحيلها، لا يغيب جسد فنانة فقط، بل تنطفئ ذاكرة كاملة من الإبداع، وتجربة إنسانية وفنية صاغت جزءًا من الوعي الثقافي لجيلٍ كامل.
الموت هذه المرة لم يطرق باب بيتٍ عادي، بل دخل من بوابة الفن المغربي، وترك خلفه فراغًا يصعب ملؤه.
صراع المرض… حين يخون الجسد روحًا مبدعة
مصادر مقرّبة أكدت أن الراحلة خاضت صراعًا مريرًا مع مرض عضال، معركة صامتة بعيدة عن الأضواء التي اعتادت الوقوف تحتها.
وهنا تتجلى المفارقة القاسية: فالفنان الذي اعتاد أن يمنح الناس القوة والأمل عبر أدواره، يجد نفسه في معركة شخصية لا يُجدي فيها التصفيق ولا الأضواء.إنه الوجه الإنساني الهشّ للفنانين، ذلك الجانب الذي لا يظهر على الخشبة ولا أمام الكاميرا.
مسيرة لم تكن أدوارًا… بل بصمات
صفية الزياني لم تكن اسمًا عابرًا في شارة عمل تلفزيوني، بل كانت من تلك الوجوه التي تتحول مع الوقت إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
أعمالها المسرحية والتلفزيونية لم تملأ فراغ البرمجة فحسب، بل صنعت أثرًا، وقدّمت نماذج أداءٍ صادق، نابع من فهم عميق للشخصية المغربية وتعقيداتها الإنسانية.هي من الجيل الذي كان يعتبر الفن رسالة، لا مجرد ظهور، ومسؤولية ثقافية قبل أن يكون شهرة.
حزن الوسط الفني… حين يفقد الفن أحد حرّاس روحه
ردود الفعل التي أعقبت إعلان الوفاة لم تكن مجاملات بروتوكولية، بل موجة حزن حقيقية اجتاحت زملاءها وجمهورها.
فالوسط الفني يدرك جيدًا أنه فقد قامة لم تكن تنافس على الأضواء، بل كانت تحرس قيمة الفن نفسه.رحيلها يعيد طرح سؤال مؤلم: من يحفظ ذاكرة الفنانين بعد أن يسدل الستار الأخير؟
ما الذي يبقى بعد الرحيل؟
لا يبقى الصوت، ولا الجسد، ولا حتى الضحكة التي كانت تملأ الكواليس…
الذي يبقى هو الأثر.
وصفية الزياني تركت أثرًا لا يُقاس بعدد الأعمال فقط، بل بقدرتها على أن تكون صادقة، قريبة من الناس، ومؤمنة بأن الفن يمكن أن يكون مرآة للمجتمع وضميره في آن واحد.برحيلها، يخسر المغرب فنانة… لكن الذاكرة الثقافية تربح اسمًا سيظل حيًّا كلما عُرض مشهد، أو صعدت خشبة، أو دوّى تصفيق في قاعة مسرح.
