كاسبريس: أمين دنون
رحيل بلخياط… المغرب يفقد صوتاً يشبهه!
ليست وفاة فنان مجرد خبر عابر في شريط الأخبار.
برحيل عبد الهادي بلخياط، يفقد المغرب أحد الأصوات التي لم تكن تغني فقط، بل تشبه الناس.
صوت خرج من وجدان المجتمع، وسكنه، ثم عاد إليه اليوم صمتًا ثقيلاً.عن سن 86 سنة، أسلم الروح بالمستشفى العسكري بالرباط، ليُطوى فصل من تاريخ الأغنية المغربية العصرية، فصل لم يُكتب بالحبر بل بالنبرة، والإحساس، والالتزام الفني النادر.
لم يكن مطرباً… بل مدرسة في معنى الأغنية
في زمن تتبدل فيه الأذواق بسرعة، بقي بلخياط ثابتاً مثل نغمة لا تشيخ.
اختياراته لم تكن تجارية، بل جمالية وأخلاقية.
كان يؤمن أن الأغنية رسالة، وأن الصوت مسؤولية، وأن الكلمة ليست زينة بل موقف.لهذا لم يكن حضوره صوتياً فقط، بل قيمياً داخل المشهد الفني.
“القمر الأحمر” إلى “قطار الحياة”… حين تتحول الأغنية إلى ذاكرة جماعية
أعماله لم تكن أغنيات تُستهلك، بل محطات عاطفية في حياة المغاربة.
من “القمر الأحمر” و“الشاطئ” إلى “بنت الناس” و“يا داك الإنسان” و“قطار الحياة”، كانت أغانيه تسافر بين الفصحى والعامية دون أن تفقد جوهرها: الصدق.التعاون مع كبار الملحنين وكتاب الكلمات لم يكن صدفة، بل نتيجة مكانة فنية تفرض احترامها.
وزارة الثقافة تنعاه… لكن الشارع سبَق البيان
البيانات الرسمية تصف، لكن الذاكرة الشعبية تختصر الحقيقة:
بلخياط كان من الأصوات الخالدة، ليس لأن أرشيفه غني فقط، بل لأن حضوره كان نظيفاً، محترماً، بعيداً عن الصخب.في زمن الضجيج، اختار الهدوء.
وفي زمن الاستهلاك، اختار البقاء.
رحيل جيل… وبقاء أثر
رحيل عبد الهادي بلخياط ليس فقط خسارة فنية، بل نقطة فاصلة بين زمنين:
زمن كانت فيه الأغنية تصنع المعنى، وزمن تبحث فيه الأغنية عن نفسها.الصوت رحل…
لكن ما زرعه في وجدان المغاربة سيبقى، مثل نغمة قديمة تعود فجأة، فتُذكّرنا أننا كنا نسمع الفن… لا الضجيج.
