كاسبريس: توفيق كريم
رمضان يغيّر الزمن الإداري… المغرب يعتمد دواماً خاصاً من التاسعة للثالثة!
في كل عام، لا يتغير فقط جدول الحياة اليومية للمغاربة خلال رمضان، بل يتبدل أيضاً إيقاع الدولة نفسها. قرار وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة باعتماد توقيت عمل مسترسل من التاسعة صباحاً إلى الثالثة بعد الزوال ليس إجراءً تقنياً عابراً، بل اعتراف مؤسساتي بأن الزمن الإداري لا يمكن أن ينفصل عن الزمن الاجتماعي والروحي للمجتمع.
هنا، تتراجع صرامة الساعة لصالح منطق التكيّف، حيث تُعاد صياغة علاقة الموظف بالعمل وفق خصوصية شهر يقوم على الصيام، التعب، والطقوس الجماعية.
من الثامنة ساعات إلى ست… الإنتاجية أم الإنسانية؟
تقليص مدة العمل الفعلية يفتح سؤالاً قديماً يتجدد كل رمضان: هل تخسر الإدارة وقتاً أم تربح استقراراً نفسياً واجتماعياً لموظفيها؟
التجربة المغربية، مثل تجارب دول أخرى، تميل إلى اعتبار أن مراعاة الوضع الجسدي والذهني للصائمين ليست تنازلاً عن الأداء، بل وسيلة لحمايته.الرهان هنا ليس على عدد الساعات، بل على جودة الحضور. موظف أقل إنهاكاً قد يكون أكثر تركيزاً من آخر يقضي يوماً كاملاً وهو يصارع التعب والعطش.
صلاة الجمعة… حين تدخل الشعيرة إلى النص الإداري
منح التسهيلات لأداء صلاة الجمعة يكرّس بُعداً آخر في القرار: الاعتراف الصريح بالممارسة الدينية داخل التنظيم الزمني للمؤسسات. الشعيرة هنا لا تُترك للهامش أو للمبادرات الفردية، بل تُدمج ضمن المنطق الإداري نفسه.
هذا الدمج يعكس نموذجاً خاصاً للدولة، حيث لا يُنظر إلى الدين كعنصر خارجي عن الحياة العامة، بل كجزء من النسيج اليومي الذي يجب أن تتعامل معه السياسات العمومية بواقعية وتنظيم.
الإدارة في رمضان… خدمة عمومية بإيقاع مختلف
بالنسبة للمرتفقين، يعني التوقيت المسترسل ضغطاً زمنياً أكبر لإنجاز المعاملات خلال فترة أقصر. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف تحافظ المرافق العمومية على جودة الخدمة في زمن مضغوط؟
نجاح هذا النظام لا يرتبط فقط بالبلاغات الرسمية، بل بقدرة الإدارات على التنظيم الداخلي، والرقمنة، وتدبير الموارد البشرية بكفاءة تمنع تراكم الانتظار وتعطل الخدمات.
بين الروح والوظيفة… توازن دقيق
في جوهر القرار، هناك محاولة لإقامة توازن دقيق بين متطلبات المرفق العمومي وخصوصية شهر يُعيد ترتيب الأولويات الروحية والاجتماعية. الدولة لا تتوقف، لكنها تُبطئ خطوها قليلاً، لتسير بإيقاع المجتمع نفسه.
هكذا، يصبح تغيير التوقيت أكثر من إجراء تنظيمي؛ إنه لحظة تكشف كيف تتفاوض المؤسسات مع الزمن الثقافي والديني لمواطنيها، بحثاً عن صيغة لا تُقصي الإنسان باسم العمل، ولا تُعطل المصلحة العامة باسم الظرف.
