العيون تستضيف لجنة مغربية–بحرينية… الدبلوماسية برسالة رمزية
في خطوة محمّلة بالرمزية السياسية، احتضنت مدينة العيون أشغال الدورة السادسة للجنة العليا المشتركة المغربية – البحرينية. بالنسبة لوزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، لم يكن اختيار المكان تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة سيادية واضحة: هذه أول لجنة مشتركة يعقدها المغرب مع دولة عربية في أقاليمه الجنوبية.
الرسالة تتجاوز الإطار الثنائي، لتلامس ملف الصحراء باعتباره محوراً مركزياً في الدبلوماسية المغربية.
تضامن معلن… وامتداد لعلاقة بين عاهلين
في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، شدد بوريطة على أن العلاقات بين الرباط والمنامة تستند إلى “أساس صلب جداً” قوامه العلاقة بين العاهلين: محمد السادس و**حمد بن عيسى آل خليفة**.
هذا الأساس، بحسب الوزير، يتجلى في تضامن “مطلق” في القضايا المصيرية. واستحضر في هذا السياق إعلان البحرين نيتها فتح قنصلية في الصحراء المغربية، باعتباره موقفاً ثابتاً وسبّاقاً يعكس دعماً سياسياً صريحاً.
في المقابل، يؤكد الخطاب المغربي أن أي مساس بالبحرين يُعد مساساً بالمغرب، في صيغة تضامن متبادل يتجاوز البيانات إلى ما يشبه التزاماً استراتيجياً طويل الأمد.
من الانتظام المؤسساتي إلى الرهان الجيوسياسي
اللجنة المشتركة، التي تأسست قبل ربع قرن، دخلت في السنوات الأخيرة مرحلة “انتظام”، إذ باتت تنعقد كل سنتين تقريباً. هذا الإيقاع المنتظم يعكس رغبة في نقل العلاقة من بعدها الرمزي إلى آليات تعاون مؤسساتي مستدام.
غير أن البعد الجيوسياسي يظل حاضراً بقوة. بوريطة أشار إلى تنسيق وثيق بين البلدين في مجلس الأمن الدولي، حيث شغلت البحرين والمغرب مقعدين غير دائمين في فترتين متتاليتين. الرباط، كما قال، لا ترى الأمر كسنتين منفصلتين لكل بلد، بل “أربع سنوات متصلة” من التنسيق.
هذه القراءة تكشف رؤية مشتركة لتقاسم المبادرات وتطويرها، بما يعكس تقارباً في أولويات السياسة الخارجية.
فلسطين… تطابق في الخطاب والرهان
على مستوى القضايا الإقليمية، أكد الوزير تطابق مواقف الرباط والمنامة بشأن القضية الفلسطينية. الحديث هنا لا يقتصر على البيانات المبدئية، بل يمتد إلى دعم حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967.
الخطاب شدد على “العمل العملي واليومي” بعيداً عن المزايدات، في إشارة إلى مقاربة تعتبر الواقعية السياسية مدخلاً لخدمة القضية في سياق إقليمي معقد.
الاقتصاد… الحلقة الأضعف في علاقة قوية سياسياً
رغم متانة العلاقات السياسية، أقر بوريطة بأن المبادلات التجارية لم ترق بعد إلى مستوى الطموح. التحدي اليوم، وفق تعبيره، يكمن في تمكين القطاع الخاص في البلدين من ترجمة الانسجام السياسي إلى شراكات اقتصادية ملموسة.
الحكومتان، بحسب التصور المعلن، مطالبتان بتهيئة الإطار القانوني والمؤسساتي، غير أن الدينامية الحقيقية يفترض أن يقودها الفاعلون الاقتصاديون.
بين الرمزية والبراغماتية
انعقاد اللجنة في العيون يحمل بعداً رمزياً واضحاً في سياق إقليمي حساس، لكنه في الوقت ذاته اختبار لقدرة الدبلوماسية على تحويل الرمزية إلى نتائج ملموسة.
المغرب والبحرين يقدمان نموذج علاقة عربية قائمة على التضامن السياسي والتنسيق الدولي، غير أن الرهان الأكبر يبقى في تحويل هذا التقارب إلى مكاسب اقتصادية وتنموية تعزز استدامة الشراكة.
في الدبلوماسية، قد تكون الرموز قوية… لكن قوتها الحقيقية تُقاس بما تنتجه على الأرض.
