زلزال النقابة والإدارة بمستشفى ابن سينا… ملفات السكن والموظفين الأشباح تهز الرباط
في قلب الرباط، لم يكن اللقاء الذي جمع المكتب الوطني للنقابة الوطنية لقطاع الصحة، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية العامة للشغل، بمدير المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا مجرد اجتماع إداري عابر. كان مواجهة مؤجلة بين إدارة تُتهم بالتراخي، ونقابة تقول إنها تحمل ملفات ثقيلة باسم الشغيلة الصحية.
الرسالة الاحتجاجية التي سبقت اللقاء لم تكن سوى مقدمة لفتح ثلاث جبهات حساسة: السكن الوظيفي، “الموظفون الأشباح”، ومنح المردودية.
السكن الوظيفي.. إرث إداري أم خلل بنيوي؟
أحد أكثر الملفات حساسية يتعلق بالسكنيات الوظيفية. المدير نفى بشكل قاطع أن يكون قد رخص لأي موظف بالاستفادة من سكن منذ توليه المسؤولية، معتبراً أن الوضع الحالي هو “إرث من الإدارات السابقة”. لكن هذا التوصيف، وإن بدا تبريرياً، يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بوجود خلل متراكم.
الإدارة تعهدت بسلوك المساطر القانونية والقضائية لاسترجاع السكنيات المحتلة دون سند قانوني. غير أن السؤال الذي يطفو على السطح: لماذا استمر هذا الوضع لسنوات؟ وهل تكفي الإجراءات القانونية وحدها لاستعادة الثقة، أم أن الأمر يتطلب كشفاً شفافاً بأسماء المستفيدين الفعليين ومعايير الاستحقاق؟
في مؤسسات عمومية تعاني ضغطاً مالياً وبشرياً، يصبح أي امتياز خارج القانون شرارة غضب داخلية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بموارد نادرة.
“الموظفون الأشباح”.. بين الإقرار الضمني ومسؤولية المحاسبة
ملف “الموظفين الأشباح” ليس توصيفاً نقابياً عابراً، بل اتهام مباشر بوجود اختلال في تدبير الموارد البشرية: موظفون مسجلون رسمياً، لكن حضورهم الفعلي موضع شك.
المدير أكد أن مراجعة دقيقة جارية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية في حق كل من يثبت إخلاله بواجباته. غير أن المعالجة الإدارية لهذا الملف لا تنفصل عن سؤال أعمق: كيف سمح النظام الرقابي بترسخ هذه الحالات؟ وأين كانت آليات التتبع والتقييم؟
الرهان هنا لا يتعلق فقط بضبط حالات فردية، بل بإعادة الاعتبار لمفهوم العدالة المهنية داخل مؤسسة يفترض أن تقوم على الانضباط والدقة، خصوصاً في قطاع حيوي كالصحة.
منحة المردودية.. تحفيز ميت في نظام منهك
اعترف مدير المركز بأن نظام منح المردودية “استنفد أهدافه” ولم يعد محفزاً. اعتراف نادر في لغة الإدارة، لكنه يعكس واقعاً تعيشه قطاعات واسعة من الوظيفة العمومية: أنظمة تحفيز فقدت معناها، وتحوّلت إلى مصدر شكايات وتظلمات.
الإدارة وعدت بصياغة نظام جديد أكثر عدلاً وتكافؤاً، في إطار المجموعات الصحية الترابية، وبالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين. غير أن التحدي يكمن في الانتقال من خطاب الإصلاح إلى هندسة عملية شفافة، تربط التحفيز بالأداء الفعلي، لا بالتراتبية أو الولاءات.
التفرغ النقابي.. بين الحق المشروع وشبهة الاستغلال
ملف التفرغ النقابي بدوره كان حاضراً بقوة. المدير تعهد بتطبيق المقتضيات القانونية الصارمة، واعتماد معايير الاستحقاق المبنية على الأداء والفعالية، مع اقتراح فتح نقاش حول “ميثاق بين النقابات والإدارة”.
هذا الطرح يعكس إدراكاً لحساسية التوازن بين الحق النقابي المشروع، وبين أي استغلال محتمل لهذا الحق لأغراض شخصية أو تجارية. في سياق يتسم بتراجع الثقة في المؤسسات، يصبح تنظيم هذا المجال ضرورة لحماية العمل النقابي نفسه من الشبهات.
أزمة وثيقة وامتحان للصلح
الاجتماع لم يخلُ من توتر قضائي، على خلفية إعادة نشر وثيقة إدارية مرفقة باتهامات وُصفت بالخطيرة. المدير دعا إلى سلوك طريق الصلح، فيما أبدى الكاتب العام للمكتب المحلي استعداداً للتراجع عن الدعوى مقابل اعتذار مكتوب.
هنا تتقاطع الاعتبارات القانونية بالرمزية: الاعتذار ليس مجرد إجراء شكلي، بل محاولة لترميم صورة مؤسسة تعيش تحت ضغط داخلي متصاعد.
بين لغة الالتزامات واختبار التنفيذ
في ختام اللقاء، أشادت النقابة بالأجواء الإيجابية، وأكدت التزامها بمواصلة العمل المشترك. غير أن التجربة المغربية في تدبير الأزمات الإدارية تُظهر أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الاجتماعات، لا خلالها.
المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا يقف اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تتحول هذه الالتزامات إلى إصلاحات ملموسة تعيد الثقة للشغيلة والمرتفقين، أو أن يبقى الحوار مجرد محطة أخرى في سجل الوعود المؤجلة.
في قطاع يُقاس فيه الأداء بكرامة المرضى وظروف عمل الأطر الصحية، لا مكان لنصف الحلول. الثقة، حين تُستنزف، لا تُستعاد بالبلاغات… بل بالأفعال.
