جنيف تشتعل دبلوماسياً: بوريطة يحذر من انهيار نظام نزع السلاح الدولي
في قاعة تعلوها لغة الدبلوماسية، لكن يثقلها صخب عالم مضطرب، وجّه وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة من جنيف رسالة تتجاوز المجاملات البروتوكولية: النظام الدولي لنزع السلاح يترنح، والثقة بين القوى الكبرى تتآكل، والوقت لم يعد يسمح بإدارة الأزمة بل بقرار سياسي شجاع يعيد الاعتبار لتعددية الأطراف.
الكلمة، التي تلاها السفير عمر زنيبر خلال افتتاح الاجتماع رفيع المستوى لـمؤتمر نزع السلاح، لم تكن بياناً تقنياً بقدر ما كانت تشخيصاً حاداً لمرحلة دولية تتسم بتصاعد النزاعات المسلحة، وتضخم سباقات التسلح، وتراجع الثقة بين الفاعلين الدوليين إلى مستويات مقلقة.
تعددية الأطراف… من إطار تفاوض إلى ساحة اختبار للشرعية
في عالم تتكاثر فيه التحالفات الظرفية وتتعاظم الحسابات الجيوسياسية، تبدو تعددية الأطراف وكأنها تفقد بريقها لصالح مقاربات أحادية أو انتقائية. بوريطة أعاد التذكير بأن مؤتمر نزع السلاح ليس مجرد منصة رمزية، بل هو “المنتدى التعددي والدائم الوحيد” المخول له التفاوض بشأن معاهدات نزع السلاح.
لكن المشكلة، كما ألمح الخطاب، لا تكمن في غياب النصوص، بل في شلل الإرادة السياسية. فإعادة إطلاق أشغال المؤتمر “بشكل ملموس” تعني كسر حالة الجمود التي عطلت التوافق لسنوات، في وقت تتطور فيه التهديدات بوتيرة أسرع من آليات ضبطها.
نزع السلاح النووي… ضرورة أخلاقية في زمن الردع المتصاعد
في قلب الرسالة المغربية، يبرز مطلب واضح: نزع السلاح النووي ليس ترفاً سياسياً، بل “ضرورة سياسية وأخلاقية”. الإشارة إلى التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية جاءت في لحظة حساسة، قبيل مؤتمر مراجعتها المرتقب في نيويورك.
المغرب يدفع في اتجاه نتائج “متوازنة” لا تكتفي بإعادة تدوير البيانات، بل تقدم ضمانات أمنية سلبية ملزمة قانونياً للدول غير الحائزة للسلاح النووي، وتضع آليات شفافة وقابلة للقياس لتنفيذ قرارات مؤتمرات المراجعة. الرسالة هنا مزدوجة: لا يمكن مطالبة الدول بالالتزام دون تقديم ضمانات فعلية، ولا يمكن حماية نظام عدم الانتشار بشعارات فضفاضة.
الحق في الطاقة النووية السلمية… بين السيادة والرقابة
بالتوازي مع الدعوة إلى نزع السلاح، شدد المغرب على حق الدول غير القابل للتصرف في تطوير واستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، وفق المادة الرابعة من المعاهدة، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هذا التوازن بين الحق السيادي والرقابة الدولية يعكس رؤية تعتبر أن منع الانتشار لا يعني خنق التنمية، وأن الأمن الجماعي لا يتحقق عبر حرمان الدول من التكنولوجيا، بل عبر تأطير استخدامها في إطار تعاون شفاف ومعزز.
الإرهاب النووي… الخطر الصامت
في زمن تتعدد فيه الفواعل غير الحكومية وتتوسع قدراتها، لم يغفل الخطاب التهديد المستمر للإرهاب الإشعاعي والنووي. الإشادة باحتضان الرباط للاجتماع الثاني للمنتدى العالمي للوقاية من الإرهاب الإشعاعي والنووي في فبراير 2026 تعكس إدراكاً بأن الخطر لم يعد محصوراً في الدول، بل في احتمالات تسرب مواد حساسة إلى جهات لا تخضع لمنطق الردع التقليدي.
الرهان هنا وقائي بالدرجة الأولى: سد الثغرات قبل أن تتحول إلى كوارث.
الذكاء الاصطناعي والفضاء… سباق جديد بلا قواعد واضحة
أكثر ما يشي بقلق المرحلة هو استحضار التهديدات الناشئة، من أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل إلى عسكرة الفضاء. الدعوة إلى إطار معياري دولي يضمن رقابة بشرية فعالة على أنظمة الذكاء الاصطناعي تعكس إدراكاً بأن التكنولوجيا تتقدم أسرع من القانون، وأن تركها دون ضوابط قد يفتح الباب أمام سباق تسلح غير مسبوق.
كما أن تعزيز الحوار متعدد الأطراف بشأن منع عسكرة الفضاء يعكس وعياً بأن ساحات الصراع لم تعد أرضية أو بحرية فحسب، بل باتت تمتد إلى المدار.
رئاسة مغربية في لحظة مفصلية
تولي المغرب رئاسة مؤتمر نزع السلاح إلى غاية 13 مارس 2026 يمنحه موقعاً دقيقاً: قيادة هيئة أممية توصف بأنها الوحيدة المكلفة بالتفاوض حول معاهدات نزع السلاح، في وقت تتراجع فيه الثقة في فعالية النظام متعدد الأطراف.
هذه الرئاسة ليست مجرد تتويج رمزي، بل اختبار لقدرة الرباط على تحريك مياه راكدة منذ سنوات، وعلى تقديم نفسها كفاعل ملتزم بالحوار والأمن الجماعي، في عالم يميل أكثر إلى الاستقطاب من التوافق.
بين الخطاب والاختبار
في النهاية، ما طُرح في جنيف ليس بيان نوايا بقدر ما هو دعوة صريحة إلى إنقاذ ما تبقى من هندسة أمن دولي بُنيت بعد حروب كبرى لتفادي الأسوأ. السؤال الذي يظل معلقاً: هل يملك المجتمع الدولي الشجاعة السياسية لترجمة هذا الخطاب إلى أفعال، أم أن تعددية الأطراف ستبقى شعاراً يُستدعى في الخطب ويُغيّب في الممارسة؟
في عالم تتكاثر فيه بؤر التوتر، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على نزع السلاح، بل على نزع فتيل فقدان الثقة ذاته.
