كاسبريس: أمين دنون
الدار البيضاء على أعتاب عصر “ماء البحر”… نهاية الارتهان للمطر؟
في إعلان يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد مشروع بنية تحتية، كشف وزير التجهيز والماء نزار بركة أن سكان الدار البيضاء سيكونون، مع نهاية 2026، على موعد مع تحول جذري في مصدر مياه الشرب: مياه البحر المحلاة.
الرسالة واضحة: زمن انتظار الغيث لم يعد خياراً مضموناً، والرهان ينتقل من السماء إلى التكنولوجيا.
أكبر محطة تحلية في المملكة… أرقام بحجم الرهان
الحكومة تواصل إنجاز محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، بقدرة إنتاجية أولية تصل إلى 200 مليون متر مكعب سنوياً، لترتفع في مرحلة ثانية إلى 300 مليون متر مكعب. أرقام تعكس طموحاً كبيراً لتحويل “ماء البحر” إلى المورد الأساسي لتزويد العاصمة الاقتصادية.
هذا التحول يعني عملياً فك الارتباط التاريخي بين تزويد المدينة بالماء وتقلبات التساقطات المطرية ومستويات السدود، في جهة تعرف ضغطاً ديموغرافياً واقتصادياً متسارعاً.
الأمن المائي… خيار استراتيجي لا رجعة فيه
المشروع يندرج ضمن رؤية أوسع لضمان الأمن المائي بحوضي أبي رقراق والشاوية، حيث تتزايد الحاجة إلى موارد مستقرة في ظل تغيرات مناخية حادة. وبرغم التحسن النسبي في الأمطار هذا الموسم، شدد الوزير على أن خيار التحلية أصبح استراتيجياً وغير قابل للتراجع.
الفكرة هنا ليست مواجهة أزمة ظرفية، بل بناء منظومة دائمة قادرة على تأمين الماء لملايين المواطنين، مع تخفيف الضغط عن الموارد التقليدية وتوجيه جزء منها لدعم القطاع الفلاحي.
بين الطموح والتحديات
غير أن هذا التحول يطرح أسئلة مشروعة حول كلفة الإنتاج، واستهلاك الطاقة، وأثر التحلية على البيئة البحرية. فالمعادلة ليست تقنية فقط، بل مالية وبيئية أيضاً، خاصة في مدينة تشكل القلب الاقتصادي للمملكة.
مع ذلك، يبدو أن الدولة حسمت خيارها: الاستثمار المكلف اليوم أقل كلفة من العطش غداً.
نحو نموذج جديد لإدارة الندرة
تحلية مياه البحر في الدار البيضاء ليست مجرد مشروع، بل إعلان عن دخول المغرب مرحلة جديدة في إدارة موارده المائية، حيث يتحول البحر من حدود جغرافية إلى خزان استراتيجي.
في زمن تتراجع فيه الأمطار وتتصاعد فيه الطلبات، يصبح “ماء البحر” عنوان مرحلة عنوانها الأبرز: الاستباق بدل الانتظار، والتخطيط بدل الطوارئ.
