كاسبريس: أمين دنون
في فضاء بولتيك.. رمضان يتحول إلى مختبر ثقافي مفتوح
في مدينة تتنازعها السرعة والضجيج، يختار فضاء بولتيك | مركز الموسيقى المعاصرة بالدار البيضاء أن يراهن على زمن مختلف: زمن ما بعد الإفطار.
برنامج “مور الفطور” لسنة 2026 ليس مجرد سهرات رمضانية عابرة، بل محاولة واعية لإعادة تعريف الليل الرمضاني كمساحة للثقافة الحية، حيث يلتقي التراث بالثقافات الحضرية في صيغة فنية هجينة.الرهان هنا واضح: تحويل رمضان من موسم استهلاك فني سريع إلى موسم إنتاج معنى.
كناوة في الواجهة.. استعادة الروح لا استهلاكها
الافتتاح مع المعلم حميد القصري ليس تفصيلاً بروتوكولياً. إنه إعلان نوايا.
فن كناوة، الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى مادة للتسويق السياحي، يعود هنا إلى جوهره الروحي، بصوت القصري العميق وعزفه على الڭمبري، في عرض يمزج شمال المغرب بجنوبه، كأن الموسيقى تعيد رسم خريطة البلاد من جديد.وفي 8 مارس، يتقاطع الفن مع سؤال الحقوق، عبر عرض فرقة SuperGnawa Girls، في خطوة تحمل دلالة مزدوجة:
إعادة تموضع المرأة داخل فضاء كناوي ظل لسنوات حكراً على الرجال، وتأكيد أن التراث ليس ملكية مغلقة بل مساحة قابلة لإعادة الكتابة.
الهجنة كخيار جمالي.. من الجنوب إلى المنصات الرقمية
مشروع “Aski – The Journey” للمنتج والدي جي Mr. ID يقدم مقاربة مختلفة:
رحلة موسيقية عبر الجنوب المغربي، حيث تمتزج الأهازيج الأمازيغية بالإيقاعات الصحراوية والتراكيب الإلكترونية، في عرض لا يكتفي بالصوت، بل يتكامل مع معرض فوتوغرافي ووثائقي بعنوان “Aski: Voyage au cœur des sons”.هنا لا يُستدعى التراث للحنين، بل يُعاد تركيبه رقمياً.
إنها محاولة لطرح سؤال مركزي: كيف يمكن للذاكرة أن تعيش داخل آلة إلكترونية دون أن تفقد روحها؟
الجمهور شريكاً لا متفرجاً
الفنان عبد الله بن شرادي يقترح في مشروع “Mirath” صيغة تفاعلية، حيث يتحول الجمهور إلى جزء من العرض عبر الولوج إلى كلمات الأغاني بواسطة رمز QR.
خطوة تعكس تحوّل العلاقة بين الفنان والمتلقي: لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ سلبي، بل مشارك في صناعة اللحظة الفنية.
السينما والذاكرة الغذائية.. عندما يصبح الطعام سردية
في مبادرة “Cinéma Lkhamiss”، يُعرض فيلم Daghmira Mon Amour للمخرج محمد أكرم النماسي، وهو عمل يستكشف علاقة المغاربة بالغذاء من خلال عنصر “الدغميرة”.
الفيلم لا يتحدث عن الطعام بوصفه طبقاً، بل كهوية.
كطقس عائلي.
كأرشيف عاطفي يعيد تشكيل الذاكرة الجماعية.
ختام بصوت وغيتار.. البساطة كبيان فني
البرنامج يُختتم بثنائي يجمع نبيلة معن والموسيقي طارق هلال، في صيغة صوت وغيتار تمزج بين أعمال أصلية وإعادة قراءة للتراث المغربي بلمسات جاز وموسيقى عالمية.
اختيار البساطة في الختام يبدو مقصوداً:
بعد كل هذا التنوع، يعود الصوت إلى عريه الأول.
ما وراء البرنامج.. ثقافة كفعل مقاومة ناعم
“مور الفطور” ليس فقط برنامجاً فنياً، بل خطاب ثقافي مُضْمَر :
أن الثقافة يمكن أن تكون مساحة لقاء بدل استقطاب،
وأن التراث ليس متحفاً مغلقاً،
بل مادة حية قابلة لإعادة التفاوض.في زمن تتراجع فيه المساحات المستقلة، يختار فضاء “بولتيك” أن يراهن على الفن كأداة حوار، وعلى رمضان كفرصة لإعادة اكتشاف الذات الجماعية… بعيداً عن الضجيج، وقريباً من المعنى.

