كاسبريس: ياسير بوعدي
أنفا تشهر سلاح الإغلاق.. حين تتحول مقاهي الشيشة إلى ملف نظام عام
في خطوة تحمل أكثر من رسالة، أصدرت السلطات الإقليمية بعمالة مقاطعات أنفا قرارات عامليّة تقضي بالإغلاق المؤقت لعدد من مقاهي الشيشة المخالفة لمدة قد تصل إلى شهرين.
القرار، في ظاهره إداري، لكنه في عمقه يعكس تصادماً متنامياً بين منطق الربح السريع ومطلب السكينة العامة.التحرك جاء بعد شكايات متكررة من السكان بشأن الضوضاء والإزعاج، وما وصفوه بمظاهر الإخلال بالحياء العام، إضافة إلى المخاوف الصحية المرتبطة بانتشار تدخين الشيشة في صفوف الشباب.
مداهمات ميدانية.. من المخالفة الإدارية إلى الشبهة الجنائية
مصادر مطلعة تحدثت عن مداهمات مشتركة بين السلطات المحلية ومصالح الأمن، رصدت أنشطة غير مرخصة وتجاوزات تتجاوز مجرد تقديم الشيشة للزبائن.
بعض الفضاءات، بحسب المصادر نفسها، قد تواجه عقوبات إدارية وجنائية إضافية، تصل إلى سحب الرخصة بشكل نهائي.اللافت أن الملف لم يعد يُقرأ فقط من زاوية “الإزعاج”، بل بدأ يلامس شبهات أخطر، من قبيل تبييض الأموال أو تسويق مواد ممنوعة بشكل سري، وهي اتهامات — إن ثبتت — تنقل الملف من نطاق الشرطة الإدارية إلى دائرة المتابعة الجنائية.
فراغ قانوني أم تحايل تنظيمي؟
قانونياً، لا يوجد نص صريح يُقنن الشيشة بشكل مستقل، لكن الإطار المنظم للتبغ حاضر بقوة.
القانون رقم 46.02 المتعلق بنظام التبغ الخام والمصنع، والمرسوم رقم 2-06-386، إلى جانب قرارات الشرطة الإدارية الجماعية، تشكل أرضية قانونية تسمح بالتدخل حين يتعلق الأمر باستعمال أو بيع مواد تبغية دون ترخيص.وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت كان قد شدد في مناسبات عدة على أن استعمال أو بيع التبغ، بما فيه “المعسل”، يظل خاضعاً لترخيص قانوني، وأن الجماعات الترابية تملك صلاحيات منع استعمال الشيشة داخل المقاهي.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بفراغ قانوني بقدر ما يتعلق بتأويلات وحدود التطبيق، وبمدى التزام أصحاب هذه الفضاءات بالتصريح بطبيعة أنشطتهم الحقيقية.
الصحة العامة في مواجهة اقتصاد الظل
بعيداً عن الجدل القانوني، تظل الزاوية الصحية حاضرة بقوة.
انتشار الشيشة في الفضاءات المفتوحة للعموم، خاصة في أحياء مكتظة، يطرح أسئلة حول حماية القاصرين والشباب من سلوكيات إدمانية تتخفى خلف صورة “الترفيه الليلي”.في المقابل، يرى بعض المهنيين أن المقاربة الزجرية وحدها قد تدفع النشاط نحو مزيد من السرية، بدل إدماجه في إطار قانوني واضح وشفاف.
رسالة سياسية إلى الفضاءات التجارية
الحملة في أنفا لا تبدو معزولة، بل تندرج ضمن دينامية أوسع لتشديد الرقابة على استغلال الفضاءات التجارية في أنشطة غير مصرح بها.
الرسالة واضحة:
الفضاء العمومي ليس مجالاً مفتوحاً بلا ضوابط، والربح لا يمكن أن يكون على حساب النظام العام أو صحة المواطنين.بين من يعتبرها خطوة ضرورية لحماية السكينة العامة، ومن يراها تضييقاً اقتصادياً، يبقى المؤكد أن ملف مقاهي الشيشة خرج من دائرة التساهل، ودخل مرحلة التدقيق الصارم.
