كاسبريس: توفيق كريم
واقع جديد يفرض نفسه
أصبحت تطبيقات النقل بالمغرب واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل المجتمع المغربي، بعدما فرضت المنصات الرقمية نفسها كخيار يومي لآلاف المواطنين الباحثين عن خدمة أسرع وأكثر وضوحاً من حيث الأسعار والجودة.
وفي المقابل، يرى مهنيون أن هذه التطبيقات تشتغل خارج إطار قانوني واضح، مما يخلق منافسة غير متكافئة مع قطاع سيارات الأجرة الخاضع لشروط ورخص ومراقبة إدارية.
نظام قديم في مواجهة العصر الرقمي
يعترف عدد من الفاعلين في القطاع بأن منظومة النقل الحضري الحالية تعتمد على قوانين يعود بعضها إلى ستينيات القرن الماضي،
وهو ما يجعلها عاجزة عن مواكبة التحولات التكنولوجية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.
ومع التطور الكبير الذي شهده استعمال الهواتف الذكية والخدمات الرقمية، بات المواطن يبحث عن وسيلة نقل يمكن حجزها وتتبعها وتقييمها إلكترونياً، وهو ما وفرته التطبيقات الحديثة بشكل دفع شريحة واسعة من المغاربة إلى تبنيها.
المواطن بين الراحة والمخاوف
ساهمت تطبيقات النقل بالمغرب في حل عدد من الإشكالات التي كان يشتكي منها المواطنون، من بينها صعوبة العثور على سيارة أجرة في بعض الأوقات،
ورفض بعض السائقين لوجهات معينة، وعدم وضوح التسعيرة في بعض الحالات.
غير أن هذا الواقع لا يخلو من مخاوف مرتبطة بغياب إطار قانوني منظم يحدد المسؤوليات والضمانات، خاصة في حالات الحوادث أو النزاعات بين السائقين والزبائن.
المأذونيات في قلب الأزمة
يرى العديد من المتدخلين أن أصل الإشكال لا يرتبط بالتطبيقات فقط، بل بمنظومة المأذونيات التي يعتبرها البعض نموذجاً تجاوزته التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ويؤكد عدد من المهنيين أن السائق المهني يجد نفسه بين التزامات متعددة تشمل المحروقات والصيانة والتأمين وأداء مبالغ مهمة مقابل استغلال المأذونية، ما ينعكس في النهاية على جودة الخدمة المقدمة للمواطن.
نحو إصلاح شامل للقطاع
أجمع عدد من الفاعلين على أن الحل لا يكمن في المنع المطلق أو في ترك الفوضى تستمر، بل في إطلاق إصلاح شامل يعيد هيكلة قطاع النقل الحضري وفق معايير حديثة.
ويشمل هذا الإصلاح مراجعة القوانين المنظمة، واعتماد دفاتر تحملات واضحة، وتحديث أسطول سيارات الأجرة،
وتحسين تكوين السائقين، وإدماج التكنولوجيا بشكل قانوني ومنظم يضمن حقوق جميع الأطراف.
سبق لكاسبريس أن تطرقت إلى تحديات النقل الحضري بالمغرب…
رهان كأس العالم 2030
تزداد أهمية هذا الملف مع اقتراب استحقاقات دولية كبرى سيحتضنها المغرب، وعلى رأسها كأس العالم 2030، حيث سيكون قطاع النقل أحد أبرز الواجهات التي تعكس صورة المملكة أمام ملايين الزوار والسياح.
ويعتبر خبراء أن توفير خدمات نقل حديثة وآمنة وشفافة لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز جاذبية المغرب وتحسين تجربة المواطنين والزوار على حد سواء.
صراع يتجاوز الشارع
لم يعد النقاش حول تطبيقات النقل بالمغرب مجرد خلاف بين سائقي سيارات الأجرة والمنصات الرقمية، بل تحول إلى نقاش مجتمعي واسع يتعلق بمستقبل خدمات النقل داخل المملكة.
فالمواطن المغربي أصبح أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا وأكثر مطالبة بخدمات سريعة وشفافة، في الوقت الذي يشعر فيه عدد من المهنيين بأنهم يواجهون منافسة غير متكافئة داخل قطاع لم يعرف إصلاحاً جذرياً منذ سنوات طويلة.
ويؤكد متابعون أن استمرار الوضع الحالي دون حسم قانوني واضح يساهم في خلق توترات متكررة داخل الشارع، ويؤثر سلباً على صورة القطاع وعلى جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والزوار.
التكنولوجيا تفرض قواعد جديدة
أثبتت التجارب الدولية أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة النقل الحديثة، حيث تعتمد العديد من الدول على تطبيقات ذكية تتيح الحجز المسبق وتتبع الرحلات وتحديد الأسعار بشكل واضح وشفاف.
كما تمنح هذه الأنظمة للمستخدم إمكانية تقييم الخدمة والسائق، وهو ما يساهم في تحسين الجودة بشكل مستمر.
وفي المغرب، يرى عدد من الخبراء أن إدماج التكنولوجيا في قطاع النقل لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها المملكة،
خاصة مع تزايد أعداد السياح وارتفاع الطلب على خدمات التنقل الحضري.
إصلاح ينتظره الجميع
رغم اختلاف المواقف بين مختلف المتدخلين، إلا أن الجميع يكاد يتفق على نقطة أساسية تتمثل في ضرورة إصلاح القطاع بطريقة تضمن حقوق المهنيين وتحافظ على مصالح المواطنين.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في منع تطبيقات النقل بالمغرب أو السماح بها بشكل مطلق، بل في بناء نموذج مغربي متوازن يجمع بين التقنين والابتكار واحترام القانون.
ومع اقتراب مواعيد دولية كبرى سيستضيفها المغرب، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لإطلاق إصلاح شامل يجعل قطاع النقل الحضري أكثر كفاءة وحداثة،
ويعكس الصورة الحقيقية للمغرب كبلد منفتح على التكنولوجيا وقادر على مواكبة التحولات العالمية.
بين التقنين والمنع
يبقى السؤال المطروح اليوم: هل يتجه المغرب نحو تقنين تطبيقات النقل بالمغرب وإدماجها ضمن منظومة قانونية حديثة، أم أن الضغوط المتزايدة قد تدفع نحو تشديد القيود عليها؟
المؤكد أن الواقع الحالي يفرض على مختلف المتدخلين الإسراع في إيجاد حل متوازن يحفظ حقوق المهنيين ويضمن جودة الخدمة للمواطن،
ويواكب التحولات الرقمية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمغاربة.
