سؤال الخلافة يطرق الباب
يعود اسم عثمان بنجلون بقوة إلى واجهة النقاش الاقتصادي بالمغرب وإفريقيا، ليس فقط بسبب مكانته كأحد أبرز رجال الأعمال في القارة، ولكن أيضاً بسبب الجدل المتزايد حول مستقبل مجموعة بنك إفريقيا في مرحلة ما بعد الرجل الذي قادها لأكثر من ثلاثة عقود.
ففي الوقت الذي يواصل فيه عثمان بنجلون ممارسة مهامه على رأس المجموعة البنكية العملاقة، أصبح ملف الخلافة من أكثر الملفات حساسية داخل الأوساط المالية والاقتصادية، خصوصاً أن المؤسسة تمثل أحد أهم الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد المغربي داخل القارة الإفريقية.
ثلاثة عقود من السيطرة
منذ سنة 1995، تاريخ خصخصة البنك المغربي للتجارة الخارجية، تمكن عثمان بنجلون من فرض نفسه كأحد أكثر القادة الماليين نفوذاً في المنطقة. ومنذ ذلك التاريخ، لم يغادر كرسي القيادة، بل واصل الإشراف المباشر على القرارات الاستراتيجية للمجموعة التي تحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أكبر المؤسسات البنكية في إفريقيا.
ورغم بلوغه 93 سنة، لا يزال عثمان بنجلون يشغل منصبي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، إضافة إلى قيادته للجنة الاستراتيجية التي تحدد التوجهات الكبرى للمجموعة.
هذه الاستمرارية الطويلة تعكس حجم الثقة التي راكمها الرجل داخل المؤسسة، لكنها في المقابل تطرح تساؤلات متزايدة حول مستقبل القيادة في واحدة من أكبر المجموعات المالية بالقارة.
إمبراطورية عابرة للحدود
لم يعد بنك إفريقيا مجرد مؤسسة مصرفية مغربية، بل تحول إلى شبكة مالية ضخمة تمتد عبر عشرات الدول الإفريقية والأوروبية.
وتدير المجموعة أصولاً مالية تناهز 46 مليار دولار، كما تقدم خدماتها لأكثر من 6.6 ملايين زبون عبر ما يقارب ألفي وكالة منتشرة في 32 دولة.
هذا الانتشار الواسع جعل من عثمان بنجلون واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في المشهد المالي الإفريقي، حيث ارتبط اسمه بمشروع التوسع البنكي المغربي داخل القارة السمراء.
وتشمل شبكة المجموعة دولاً استراتيجية مثل السنغال وكوت ديفوار ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وغانا وكينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ما يجعل أي تغيير في هرم القيادة قضية تتجاوز حدود المغرب.
مخاوف ما بعد بنجلون
تزايد الحديث خلال سنة 2026 عن مستقبل بنك إفريقيا بعد عثمان بنجلون لم يأت من فراغ، بل يرتبط بأهمية المؤسسة وحجم تأثيرها في الأسواق المالية الإفريقية.
فبحسب عدد من المتابعين، فإن أي انتقال غير منظم للسلطة داخل المجموعة قد ينعكس على الاستقرار الإداري والاستراتيجي للبنك، خاصة في ظل حضوره داخل اقتصادات إفريقية تعتمد بشكل كبير على خدماته وتمويلاته.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن دوائر القرار الاقتصادي تتابع عن كثب هذا الملف، بالنظر إلى أن المجموعة تمثل أحد النماذج الأكثر نجاحاً في التوسع الاقتصادي المغربي خارج الحدود.
من الهندسة إلى عالم المال
ولد عثمان بنجلون سنة 1932 بمدينة فاس، وواصل دراسته العليا بسويسرا حيث حصل على شهادة الهندسة من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا بمدينة لوزان.
لكن مساره المهني لم يتجه نحو الهندسة، بل اختار عالم الاستثمار والأعمال، حيث نجح خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في بناء شبكة شراكات قوية مع شركات عالمية كبرى في قطاع السيارات، من بينها فولفو وجنرال موتورز.
وقد شكلت هذه المرحلة نقطة الانطلاق نحو بناء إمبراطورية مالية واقتصادية متعددة الأنشطة.
عثمان بن جلون ومشروع الاندماج الاقتصادي الإفريقي
لعبت مؤسسات عثمان بن جلون دوراً محورياً في تعزيز التنمية الإفريقية من خلال توسيع الاستثمارات البنكية والمالية في عشرات الدول بالقارة. وساهم بنك إفريقيا في تمويل المقاولات والمشاريع التنموية، ودعم الشمول المالي، وتسهيل المبادلات الاقتصادية، مما عزز حضور المغرب كشريك اقتصادي واستثماري فاعل داخل إفريقيا.
صفقة غيرت التاريخ
المحطة المفصلية في مسيرة عثمان بنجلون كانت استحواذه على شركة “الوفاء للتأمين”، التي شكلت قاعدة مالية صلبة مكنته لاحقاً من اقتناء البنك المغربي للتجارة الخارجية سنة 1995.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت عملية تحول تاريخية نقلت البنك من مؤسسة محلية محدودة النشاط إلى مجموعة مصرفية إفريقية عملاقة، لتصبح تجربة عثمان بنجلون واحدة من أبرز قصص النجاح الاقتصادي في المغرب وإفريقيا.
واليوم، وبينما يواصل الرجل قيادة هذه المؤسسة العملاقة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً داخل الأوساط الاقتصادية: من سيحمل المشعل بعد عثمان بنجلون؟ وهل ستنجح المجموعة في الحفاظ على زخمها القاري بعد نهاية حقبة أحد أكثر رجال الأعمال تأثيراً في تاريخ المغرب الحديث؟
