أثار التصويت الأخير داخل المجلس الشعبي الوطني على مقترح تعديل قانون الجنسية، رفضًا واسعًا من شخصيات سياسية وحقوقية ومدنية، وسط مخاوف من المساس بحق دستوري أصيل يُعد من ركائز المواطنة والانتماء. الجلسة التي عُقدت الأربعاء الماضي شهدت أيضًا المصادقة على مقترح قانون تجريم الاستعمار، ما زاد من حدة النقاش السياسي.
مقري: “موت السياسة” في البلاد
الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، عبّر عن رفضه الصريح للمبادرة، معتبرًا أن التصويت بالإجماع يعكس تراجعًا عميقًا في الحياة السياسية ويمثل “موت السياسة” في الجزائر. وأشار إلى أن بعض النواب برروا موقفهم بالخوف من اتهامهم بالتعاطف مع حركتي “الماك” و”رشاد”، وهو ما يراه دليلاً على غياب الحكمة السياسية وانغلاق فضاء الحوار الوطني.
رحابي: غياب المنهجية القانونية وضمانات قضائية مستقلة
الدبلوماسي والوزير السابق عبد العزيز رحابي طرح تساؤلات حول “الحق” و”التوقيت” في ما يتعلق بالتجريد من الجنسية الأصلية، ملاحظًا أن المقترح ليس مشروعًا حكوميًا بل مبادرة برلمانية. وأكد أن النص يفتقر إلى المنهجية القانونية ويغيب عنه وجود ضمانات قضائية مستقلة ومنصفة، مشددًا على تعارضه مع القوانين الدولية التي تعتبر الجنسية حقًا طبيعيًا لا يُمس إلا في حالات استثنائية للغاية.
زاهي: الجنسية ليست أداة عقاب
المحامي سعيد زاهي بدوره رفض المقترح، مؤكدًا أن الجنسية رابطة قانونية دائمة لا يجوز تحويلها إلى أداة عقاب أو تصفية سياسية. وأوضح أن حتى في الحالات القصوى، مثل خيانة مسؤول أو تهريب أموال الشعب، فإن الحل لا يكمن في نزع الجنسية، بل في المحاكمات الجزائية الكاملة ومصادرة الأموال وتفعيل التعاون القضائي الدولي. واعتبر أن نزع الجنسية يمثل هروبًا من العدالة وضربًا لمبدأ المساواة.
تفاصيل النص المقترح: إنذار ثم مرسوم رئاسي
بحسب النص، يصبح التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية ممكنًا لكل جزائري يقيم خارج البلاد ويقوم بأفعال تضر بمصالح الدولة أو تهدد وحدتها الوطنية، أو يُظهر ولاءً لدولة أخرى مع الإصرار على نبذ ولائه للجزائر. ويتم ذلك عبر مرسوم رئاسي بعد إنذار المعني بالتوقف عن الأفعال المنسوبة إليه في أجل لا يتعدى ستين يومًا، مع تمكينه من تقديم دفاعه وملاحظاته.
معركة حول الهوية والسيادة
القضية تفتح نقاشًا عميقًا حول معنى المواطنة والهوية في الجزائر، بين من يرى أن الجنسية حق لا يُمس، ومن يعتبرها أداة لحماية الدولة من التهديدات الخارجية. الجدل يعكس صراعًا سياسيًا وقانونيًا حول حدود السيادة الوطنية، ويضع الجزائر أمام لحظة حاسمة في علاقتها بمواطنيها داخل البلاد وخارجها.
