كاسبريس: نبيل أخلال
أمطار الحسيمة… عزلة قاسية تكشف هشاشة الجبال
في إقليم الحسيمة، لم تكن الأمطار مجرد ظاهرة جوية عابرة، بل تحولت إلى قوة ضاغطة كشفت هشاشة الواقع اليومي لساكنة الجبال. الرياح القوية والتساقطات الغزيرة لم تترك مجالاً للتدرج؛ جاءت دفعة واحدة، لتضرب الطرق، الكهرباء، والاتصالات، وتضع دواوير بكاملها في عزلة قاسية.
جماعات كتامة، تاغزوت، عبد الغاية السواحل، وتامساوت تعيش لحظة صعبة، حيث أصبح الوصول إلى العالم الخارجي تحدياً يومياً، لا رحلة عادية.
الأرض تتحرك… والمنازل تتشقق
الضرر لم يقف عند الطرق المقطوعة. انجرافات التربة كشفت جانباً أكثر خطورة: مبانٍ مهددة بالسقوط، جدران تتشقق، وأسر تبيت على قلق دائم من أن تتحول الأمطار إلى كارثة إنشائية.
الطبيعة هنا لا تكتفي بإغلاق المسالك، بل تضغط على أساسات الحياة نفسها.
العزلة مضاعفة… لا طريق ولا اتصال
حين تنقطع الطرق، يبقى الاتصال آخر خيط يربط الناس ببقية البلاد. لكن حتى هذا الخيط أصبح هشاً. انقطاع الكهرباء في عدة مناطق، وضعف شبكات الاتصالات، جعل طلب المساعدة مهمة شبه مستحيلة، خصوصاً في الحالات الصحية الطارئة.
في هذه القرى، العزلة ليست شعوراً نفسياً؛ إنها واقع مادي يُقاس بالكيلومترات المقطوعة، وبساعات الانتظار دون استجابة.
الغذاء قبل السياسة… الأولويات تتبدل تحت المطر
مع استمرار انقطاع المسالك، برزت أزمة التموين. بعض الأسر باتت في حاجة عاجلة للمواد الغذائية الأساسية.
هنا، تتغير لغة المطالب: من مشاريع تنموية طويلة الأمد إلى سؤال مباشر وبسيط — كيف نؤمّن القوت اليومي؟الأمطار أعادت ترتيب الأولويات بقسوة، لتضع البقاء في صدارة المشهد.
إصلاحات مؤقتة… وطبيعة أقوى
رغم تدخلات سابقة لإصلاح مقاطع طرقية بكتامة، فإن الواقع أظهر هشاشة الحلول الترقيعية أمام قسوة المناخ.
الطرق التي فُتحت بالأمس، أُغلقت اليوم من جديد.
هذا التكرار لا يعكس سوء حظ فقط، بل يطرح سؤالاً أعمق حول قدرة البنية التحتية الجبلية على الصمود أمام تغيرات مناخية باتت أكثر حدة وتواتراً.
نداء من الهامش… قبل أن يتحول الخطر إلى مأساة
الأصوات المحلية تطالب بتدخل عاجل ومكثف: آليات لفك العزلة، دعم غذائي، وتعزيز شبكات الكهرباء والاتصالات.
لكن خلف هذا النداء، رسالة أكبر: القرى الجبلية لا تحتاج فقط إلى استجابة طارئة، بل إلى رؤية طويلة الأمد تجعلها أقل هشاشة في وجه الطبيعة.
في الحسيمة اليوم، الأمطار ليست خبراً جوياً… بل اختباراً لمدى قدرة الدولة على الوصول إلى آخر بيت في الجبل، حين تضيق الطرق ويعلو منسوب الخطر.
